الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 الارقام رهيبة وغير مسبوقة: عشرة ملايين متظاهر.. في 650 مدينة وبلدة بينها 250 مدينة وبلدة في الولايات المتحدة. لكن ما يثير رهبة ايضا وان على صعيد سلبي، ان نصيب مدن الوطن العربي من المظاهرات ضئيل الى درجة تقارب العدم، ويتضاعف الشعور بالرهبة السالبة تجاه الوطن العربي ان العالم خرج الى الشارع من اجل بلد عربي شقيق ـ العراق ـ في حين تتخذ الشعوب العربية موقف المتفرج. ما مغزى هذه المظاهرات التي اجتاحت العالم من اقصاه الى اقصاه في غضون اقل من اربع وعشرين ساعة يوم السبت المنصرم؟ لنستذكر أولاً انها لم تكن مظاهرات عفوية.. فقد اعلن عنها سلفاً منذ ثلاثة اسابيع، معنى ذلك انها كانت وليدة عمل مخطط ومرتب مسبقاً، وإلا كيف تخرج في يوم واحد من نيويورك الى سيدني.. ومن السويد الى جنوب افريقيا عبوراً بلندن ومدريد وباريس وروما وبرلين واثينا وكوالالمبور وطوكيو.. الخ، وجماهير المتظاهرين يحملون لافتات عليها شعارات تتكرر من موقع الى آخر حول العالم؟ لا موسيقى بدون مايسترو.. ولا هندسة بدون مهندس كما يقول عالم فلسفة الرياضيات البرت انشتاين.. واذن ما هي الجهة المركزية التي تقوم على ترتيب تحرك جماهيري عملاق كهذا في جميع انحاء العالم وعلى نفس المساحة الزمنية؟ من الواضح انها لابد ان تكون هيئة أممية. لكن وسائل الاعلام الغربية لا تسلط عليها ضوءاً كافياً وكأنها تتعمد التعتيم عليها. بصورة اجمالية نعلم ان هذه الهيئة الاممية تنظيم مظلي يضم جماعات غربية مناهضة لظاهرة العولمة ومنظمات «الخضر».. انصار حماية البيئة وتنظيمات نقابية وهيئات كنسية، لكن الجمهور العالمي لا تتعدى معرفته هذا الحيز الضيق بالنظر الى حالة التعتيم الاعلامي. فالشخصيات القيادية لهذه الهيئة الاممية تبدو لنا كظلال بلا ملامح محددة.. فلا نكاد نعرف حتى مجرد الاسماء. لقد اطلقت هذه الهيئة نداء عالمياً قبل ثلاثة اسابيع ليكون يوم 15 فبراير يوم التظاهر ضد الحرب الاميركية المحتملة على العراق. ولكن كيف ولماذا لقي هذا النداء تجاوبا في أركان العالم الاربعة.. من اميركا الى اوروبا.. والى آسيا واستراليا ونيوزيلندا؟ لا نملك إلا الاستنتاج فهذا التجاوب يجب ان يعني ان هذه الهيئة الاممية لها فروع حول العالم.. انها بايجاز شبكة ذات قيادة وكوادر على اعلى درجة من التنظيم وهي شبكة تتخذ بالضرورة لنفسها شعاراً رئيسياً يتمثل في معاداة الامبريالية الاميركية. مما يطرح بدوره سؤالاً: هل نشهد الآن بوادر قوية لاعادة احياء الفكر الماركسي في الغرب كترياق ضد العولمة الرأسمالية؟ وهل تلاشى التطبيق الماركسي في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية لينتقل الى الغرب الرأسمالي؟ الثابت ان هناك مداً عالميا متعاظم النمو وذا طابع راديكالي متصاعد يقف في مواجهة طغيان العولمة الرأسمالية كما تجسدها الولايات المتحدة، ومما يجتذب الانتباه بصورة خاصة في هذا السياق ان اعظم المظاهرات ضخامة وأدقها تنظيما واقواها على الاطلاق تلك المظاهرات التي خرجت في دول اوروبية تعتبر حكوماتها اشد الحكومات على الاطلاق وتأييداً للولايات المتحدة وسياسة ادارة بوش الحربية تجاه العراق ـ وهي بريطانيا واسبانيا وايطاليا. ففي حين بلغت القوة الجماهيرية لمظاهرة لندن ما بين المليون ونصف المليون الى المليونين، فان مظاهرة مدريد تجاوزت المليون بينما خرج في روما ثلاثة ملايين متظاهر. نحن اذن على مشارف عهد عالمي جديد يعيد الى الاذهان عالم عقد الستينيات.. فالمظاهرات التي خرجت في شوارع العالم يوم السبت ليس لها مثيل في التاريخ البشري. وربما كانت المظاهرات المعارضة لحرب فيتنام خلال اواخر عقد الستينيات وأوائل السبعينيات اقرب مثال للمقارنة.. لكن تلك لم يكن لها ذلك البعد العالمي الرهيب الذي نراه الآن. ومظاهرات الامس كانت محصورة في غرضها الظاهري المعلن وهو الحرب الاميركية ضد الشعب الفيتنامي. لكن بالرغم من انه يمكن القول ان مظاهرات اليوم خرجت من اجل العراق إلا ان المسألة العراقية لم تكن سوى شرارة. انظر في شعارات المظاهرات لتقرأ «لا دم مقابل النفط».. «لا للحروب الامبريالية».. و«عدالة وسلام وديمقراطية للشرق الاوسط» و«بوش هتلر العصر الحديث».. و«لا للفاشية الاميركية». ومن المؤسف حقا ان العالم العربي بأنظمته وشعوبه متخلف عن هذا المد العالمي الراديكالي الجديد. والقول التقليدي ان انظمتنا هي السبب لأنها تحرمنا من ممارسة الحريات المدنية ينطوي على تبسيط مخل. فلنواجه انفسنا بأننا كشعوب وافراد نستسلم تماماً للهموم الذاتية الصغيرة ـ وهذا من علامات الاضمحلال الحضاري.