الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 اسرائيل، «الامبراطورية» الاقليمية اليمينية بامتياز، هي التي ستلاقي الولايات المتحدة، «الامبراطورية» الكونية اليمينية بامتياز ايضا، في منتصف الطريق في خلال ايام قليلة في واشنطن، لترسما معا ما يوصف بالخريطة الجيو ـ سياسية للشرق الاوسط الجديد، بعد الحرب الاميركية على العراق من جهة والحرب الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني من جهة ثانية. لن يكون اقل من ذلك، وربما بالتفصيل الممل، هدف القمة السريعة المقبلة بين الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، وجدول الاعمال الموضوع لها. فطريقهما الى الحربين كان ولا يزال طريقا واحدا، وقد مشياه معا، وبالتالي فما بعدهما يجب ان يكون واحدا، وان يلتقطا ثماره بدورهما معا ويدا بيد. على هذا الواقع، الذي قد لا يجادل فيه الا المكابرون، يظهر بسرعة اكثر من دليل: فالمعلقون الاسرائيليون، من المعارضين لشارون ومن المؤيدين، يتفقون على ان زيارته المقبلة لواشنطن ستكون بالغة النجاح بكل المعايير الاسرائيلية، بل انها حققت اكبر نجاح له حتى قبل ان تطأ قدماه ارض الولايات المتحدة، في زيارته التي ستكون الثامنة للدولة العظمى الوحيدة في العالم في خلال اقل من عامين. في رأي بعض هؤلاء ان اول ما سيفعله شارون هو تقديم أسمى آيات الشكر للرئيس بوش على الدعم الواسع، المباشر وغير المباشر، الذي محضه اياه قبل وعشية وفي اثناء الانتخابات الاسرائيلية التي حقق فيها وحزبه «ليكود» اكبر انتصار في تاريخ اسرائيل منذ العام 1948. كان يمكن لواشنطن مثلا، يرى هؤلاء، ان تقلب نتائج الانتخابات رأسا على عقب، او اقله ان تحجم «ليكود» والاحزاب اليمينية والدينية، لو انها اثارت اية تحفظات على شارون وسياساته في الاراضي الفلسطينية المحتلة في فترة العامين الماضيين، او لو انها حددت موقفا جديا وعادلا من مستقبل عملية التسوية في المنطقة في فترة العامين المقبلين. وفي رأي هؤلاء ان «القدر» وقف بدوره الى جانب شارون هذه المرة، بانفجار مكوك الفضاء الاميركي «كولومبيا» وعلى متنه رائد فضاء اسرائيلي الى جانب ستة رواد فضاء اميركيين، ليقدم الى رئيس الوزراء الاسرائيلي «شهادة رفقة سلاح» على مذبح العلوم واكتشاف الفضاء ـ الى جانب «رفقة السلاح» على مذبح العمل السياسي، وخصوصا على مذبح «مكافحة الارهاب» ـ يحملها شارون مزهوا الى صديقه وحليفه بوش لتعميد صداقتهما وتحالفهما بالدم. وان ينفجر المكوك فوق مدينة في تكساس، يطلق عليها اسم «فلسطين»، فلذلك معنى ديني وسياسي لدى كل من شارون وبوش على حد سواء. جديد التحالف كذلك، يضيف المعلقون، فان شارون سيحمل معه مبادرة الرئيس المصري حسني مبارك لتهنئته بالفوز في الانتخابات ودعوته للقاء قريب في شرم الشيخ، باعتبارهما (التهنئة والدعوة) انتصارا كبيرا ليس لشارون ولسياساته تجاه العرب والفلسطينيين فقط وانما ايضا للرئيس بوش الذي قدم له كل الدعم، وتجاهل كل موقف عربي على امتداد الفترة الماضية. لكن الاكثر دلالة في هذا الصدد هو ما قالته صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية في تعليق لها اخيرا عن المساعدات المالية وضمانات القروض الاميركية (حوالي اربعة عشر مليار دولار) التي بات مؤكدا ان بوش سيقدمها لشارون تعويضا لاسرائيل عن اية خسائر قد تلحق بها نتيجة الحرب على العراق.. ولكن اساسا ـ كما تقول الصحيفة ـ لمساعدة شارون على معالجة المشكلة الاقتصادية الملحة التي تعاني منها دولته نتيجة الانتفاضة الفلسطينية المستمرة منذ اكثر من عامين. «لو كان يمكن لرئيس الوزراء الاسبق اسحق شامير»، تقول الصحيفة: «ان يعرف حقيقة ما يحدث الآن على صعيد العلاقة بين خليفته شارون وجورج بوش الابن، وان يقارنه بما حدث بينه وبين جورج بوش الأب على صعيد ضمانات القروض التي طلبها شامير في العام 1991 ورفضها بوش الاب، فلا شك انه سيهتز حزنا وألما في قبره». ليس جديدا، في كل حال، حديث «التحالف الاستراتيجي» بين الولايات المتحدة واسرائيل والذي التزمته ادارات الولايات المتحدة المتعاقبة طيلة الاعوام والعقود السابقة. ولا هو جديد كذلك حديث «الدعم الكامل وعلى طول الخط» الذي ابداه سيد البيت الابيض حاليا ومارسه تجاه صديقه «رجل السلام» شارون، وتجاه حربه التدميرية ضد الشعب الفلسطيني وضد قضية التسوية في المنطقة. الجديد فقط هو التفويض شبه الكامل الذي حصلت عليه الاحزاب اليمينية والدينية المتطرفة، بزعامة شارون وحزبه «ليكود»، في الانتخابات على خلفية حرب الابادة التي شنتها حكومته بمختلف انواع الاسلحة على امتداد عامين. والجديد اكثر، لمن يعرف حساسية الرأي العام الاسرائيلي تجاه دعم واشنطن او عدم دعمها لاسرائيل، هو ان شارون نال هذا التفويض على خلفية التأييد الاميركي المطلق له ولحكومته من جهة، وايضا على خلفية توجه الولايات المتحدة لخوض حربها الخاصة ضد العراق وضد المنطقة العربية من جهة اخرى. بهذه الازدواجية تحول تحالف اسرائيل مع الولايات المتحدة في «محاربة الارهاب»، ذلك الذي اعلنه شارون بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001، الى تحالف أبعد وأعمق وأكثر استراتيجية لدى الناخب الاسرائيلي. اصبح تحالفا اميركيا مع اسرائيل، وليس العكس، وهدفه يتعدى «محاربة الارهاب»، سواء كان اسلاميا او عربيا او فلسطينيا، ليرقى الى مستوى تفكيك ما تبقى من حلقات الحصار العربي التي لا تزال تطوق دولة العدوان في المنطقة، برغم كل ما اعترى هذا الحصار من وهن وحتى صدأ في السنوات الماضية. هذه الازدواجية، برغم كل ما يقال عن سقوط حزب «العمل» المريع (وهو صحيح الى حد كبير) وعن التأثيرات السلبية للانتفاضة الفلسطينية المسلحة على الناخب الاسرائيلي، شكلت في الواقع العملي احد ابرز العوامل، بل العامل الحاسم، في فوز شارون ومجموعة الاحزاب اليمينية والدينية المتطرفة في اسرائيل. وهكذا فان شارون يتوجه الى واشنطن هذه المرة على قاعدة جديدة من «التحالف الاستراتيجي» بين الولايات المتحدة واسرائيل لا تقوم على النظرية الاميركية التاريخية عن «حماية اسرائيل» من التهديد العربي، بل على قاعدة اخرى اكثر جذرية هي ضرب هذا التهديد وانهاؤه بصورة كاملة عبر اجتياح المنطقة ـ بدءا بالعراق ـ واقامة نظام حماية اميركي فيها تكون لبوش، وتاليا لشارون، اليد الأولى والطولى ليس في تقرير سياساتها واقتصاداتها وأنظمة الحكم فيها فقط وانما في تقرير موقف شعوبها الثقافي ايضا. ليس الامر هنا امر شارون بمفرده. فهو لا ينطلق من هذه الذهنية وحده، ولا هو يعتمد فيها على خلفية وقاعدة خاصتين به وباسرائيل، بل يستقبله بوش بذهنية مقابلة مماثلة لها تماما وبالخلفية وعلى القاعدة اياهما. لب القضية ولا حاجة بالمرء لاحالة كل من يشك في ذلك بعد الى ممارسات بوش وآرائه المعلنة، وليس الى مواقفه الدبلوماسية فقط، ليكتشف زيف مثل هذا الشك.ونماذج تلك الممارسات والمواقف تعلن عن نفسها كما يلي: 1- في المقدمة تأتي «خريطة الطريق» الاميركية (وتاليا الرباعية مع اوروبا وروسيا والامم المتحدة) والتي لم تعش، على ما فيها من غموض مقصود ومحاباة لاسرائيل وتجاهل للفلسطينيين، الا اياما معدودة، لمجرد ان حكومة شارون رفضتها. في الرد على ذلك لم تجد واشنطن ما تقوله سوى ان تلك الخريطة ليست نهائية وانها انما تعمل على تعديلها بما يرضي الاطراف كلها وليس اسرائيل وحدها. واللجنة الرباعية بدورها لم تجد، بعد الموقف الاميركي، ما تقوله سوى ان اللجنة ستواصل مساعيها لوضع الخطة قيد التنفيذ. لقد قال شارون، عشية الانتخابات الاسرائيلية، انه سيقترح «خريطة طريق» جديدة بعد تشكيل حكومته المقبلة. ولن يكون مستبعدا، خاصة بعد الحرب الاميركية على العراق، ان يضع بوش توقيعه على خريطة شارون هذه ثم يقدمها الى العرب والفلسطينيين باعتبارها خطته هو للتسوية. وليقبل من يقبل، ويرفض من يرفض!! 2- يأتي بعد ذلك ان بوش، او ايا من افراد ادارته، لم ينبس ببنت شفة ردا على الاهانة المباشرة التي وجهها صديقه شارون لصديقه الآخر رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، عندما منع شارون الوفد الفلسطيني من السفر الى لندن لحضور المؤتمر الذي دعا اليه الاخير بالعنوان الذي طرحه شارون اصلا (اصلاح السلطة الفلسطينية). ومع ان بلير حاول ابتلاع الاهانة، عبر ما وصف بـ «مؤتمر الفيديو»، فقد ضرب شارون حتى هذه المحاولة بمنعه بعض المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات على سبيل المثال، من الانتقال من منزله في اريحا الى غرفة الفيديو في رام الله على بعد عشرين كيلومترا فقط. في تعليق للنائب الديمقراطي الليبرالي منغيس كامبل على ما حدث في لندن، قال ان «ما ينبغي على العواصم العربية ان تستخلصه هو ان في امكان اسرائيل، ما دامت تتمتع بدعم اميركا الضمني، ان تفعل ما يحلو لها». في ما قاله كامبل ذلك الجانب من الحقيقة الذي لم تجرؤ لندن على الاشارة ولو الخجولة اليه، لكن فيه الحقيقة الكاملة التي اعتمد عليها شارون سابقا وسيعتمد عليها في المستقبل ايضا. 3- في السيناريوهات المتنوعة التي سربتها وزارة الدفاع الاميركية عن حربها المقبلة ضد العراق تبرز اسرائيل بصورة دائمة كعنصر مأخوذ في الحسبان، ان لم يكن بسبب دورها في العمليات العسكرية في الحرب فبسبب الدور الذي ستقوم به القوات الاميركية للحيلولة دون اصابتها بشظايا تلك الحرب. بطاريات صواريخ «باتريوت» التي قدمتها واشنطن للقوات الاسرائيلية جانب من الصورة. نظام صاروخ «آرو» الاسرائيلي المضاد للصواريخ، والذي تشترك البنتاغون في انتاجه جانب آخر. اما المبادرة الاميركية، ومنذ اليوم الاول للحرب الى انزال قوات في مناطق غربي العراق لشل قدرة الجيش العراقي على استخدام المنطقة لقربها جغرافيا من اجل اطلاق بعض صواريخها باتجاه اسرائيل، فهي التي تكمل الصورة. ذلك كله تفاصيل في اي حال. لب القضية هو ان الحرب ضد العراق مصلحة اسرائيلية خاصة بقدر ما هي، ان لم يكن اكثر، مصلحة اميركية في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة. حتى ان بعض المصلحة الاميركية، تحت ادارة جورج بوش الحالية، يكمن في ان من شأن هذه الحرب ان تنهي صراعا في المنطقة عجزت ادارات الولايات المتحدة عن انهائه للآن فضلا عن انه شكل لها وجع دماغ بين فترة واخرى.. وان هذا الانهاء سيكون في رأيها لمصلحة اسرائيل. انها خريطة الشرق الاوسط الجيو ـ سياسية هي ما سيعمل بوش وشارون على تصورها، وربما اعادة رسمها، بعد مرحلة الحروب الاميركية والاسرائيلية المدمرة الحالية في العالم العربي. البعض يسميها سايكس ـ بيكو جديدة. والبعض يسميها خريطة بوش «الامبراطورية» للمنطقة من خلال خريطته الكبرى للعالم. لكن البعض الآخر لا يتوانى عن ان يطلق عليها اسم بوش ـ شارون، وان يكن في صيغة ان احدهما اصيل والآخر مجرد وكيل. هل يكون من قبيل الحلم مطالبة القمة العربية المقبلة، وقد تقرر اخيرا تقديم موعدها بألا تعمل فقط على محاولة منع الحرب على العراق، بل ان تقف مليا، وبوعي تاريخي عميق، امام هذه الحقيقة!. ـ كاتب لبناني