الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 أثناء رحلتي الباريسية هذه الأيام حرصت على مقابلة عدد من صناع القرار والجامعيين الأوروبيين ممن عرفت وحرصت على سماع آرائهم، بالاضافة الى ما توفره الحياة اليومية في فرنسا وفي سويسرا من لقاءات عفوية مع الناس العاديين ومنهم نادل المطعم وبائع الصحف وتاجر الملابس والخباز والجار في القطار السريع أو في قاعة انتظار المطار بباريس أو جنيف. والأمر الأول الذي لاحظته هو قوة تفاعل المجتمع الأوروبي نخبة وشعباً مع الشأن العراقي الأميركي.. وأكاد أجزم ان تفاعل الشارع الأوروبي مع أخطار الحرب المعلنة يفوق تفاعل الشارع العربي.. المهموم بلقمة العيش والمحروم من الإعلام الاحترافي المستقبل في كثير من الأحيان. وشعرت بأن المواطن الأوروبي ـ مع الأسف ـ أكثر اطلاعاً على مختلف المواقف والتحليلات والمفارقات وأعمق إحساساً بأصل القضية، اي النفط ومصالح الطبقة الأميركية الحاكمة اكثر ما هي مصالح الشعب الأميركي. ذلك أن المواطن الأوروبي العادي، الذي يمارس حياته وشغله وشئون أسرته بعيداً عن دائرة القرار السياسي، يظل بالضرورة مشدوداً الى دائرة المعرفة الحقيقية من خلال برامج التلفزيون وتعليقات الاذاعة ومقالات الصحف والمجالات يشاهد يوميا تلاقح المواقف وتلاقي الأفكار وتصادم النظريات ليخرج منها الجمهور الأوروبي بخلاصة الحقائق.. التي لا تأتي إلا من خلال احترام الاختلاف وحرية التعبير. وتجيء عمليات استطلاع الرأي لتؤكد هذه الحقائق وتوضح نتائجها ان المجتمعات الأوروبية معبأة ضد حرب أميركية غير مبررة على العراق.. فنسبة الرافضين للحرب حسب معهد «إيفوب» الفرنسي هي: فرنسا 82 بالمئة، أسبانيا 73، ايطاليا 76، بلجيكا 81، النمسا وألمانيا والسويد 83، الدنمارك وفنلندا ,68. وكل هذه النسب المتقاربة تشكل أغلبية ساحقة ضد هذه الحرب. وعن أسباب الحرب يعتقد الأوروبيون حسب شرائح الرأي العام لمعهد «إيفوب» ان واشنطن تريد تأمين امدادات النفط باحتلال العراق، وذلك في فرنسا بنسبة 72 بالمئة وفي اسبانيا بنسبة 65 بالمئة وفي المانيا بنسبة 69 بالمئة،، إي جانب اعتقاد نسبة تقدر بثلث الجمهور في أن السبب هو مقاومة الارهاب أو نزع أسلحة الدمار الشامل. وهكذا فنحن بإزاء رأي عام أوروبي واع يفكك بذكاء آليات الأحداث المتعاقبة ويحللها من منظور المصالح الأميركية.. التي لا تلتقي اليوم مع المصالح الأوروبية.. بل بالعكس تناقضها وتحاول تعطيلها. ولابد من الإشارة أنه يوجد تنام كامل ومتميز بين الرأي العام الأوروبي وبين وسائل إعلام أوروبا.. فهي لا تنقل فقط هذا الرأي العام وتطلعاته وأفكاره، بل تساهم في توجيه بذكاء وقوة ومعلومات نحو استنكار هذه الحرب وتعبيء مؤسسات المجتمع المدني للتظاهر والرفض والتنديد. ولكن الخندق محفور بين الرأي العام وحكومات أوروبية سارعت نحو تأييد الرئيس بوش، مثل حكومة ايطاليا وحكومة اسبانيا، في حين أن جماهير الناس في هاتين الدولتين لا ترى لزوما لمساعدة أميركا في حرب تراها هذه الشعوب جائرة وخارجة عن القانون الدولي وأسبابها نفطية بالدرجة الأولى، بعيداً عن الشعارات البراقة والمثل العليا المرفوعة والقيم والمباديء والسلام الدولي. ولاحظت ان الفجوة التي أحياناً نشكو منها في عالمنا العربي بين الحاكم والمحكوم اصبحت ظاهرة أوروبية في الدول التي وقعت على بيان تأييد للموقف الأميركي بدون الرجوع الى مجتمعاتها ـ مثل ايطاليا واسبانيا ـ والتي كسرت الاجماع في الاتحاد الأوروبي، هذا الاجماع الذي تقوده أساسا فرنسا برئاسة جاك شيراك وألمانيا بزعامة غيرهارد شرويدر، ولكن ايضا بحماس المملكة البلجيكية. وإن الذي شاهد وعاش المظاهرة العملاقة بلندن يوم السبت 15 فبراير أو مظاهرة مدريد في اليوم نفسه والمظاهرات بأغلب مدن أوروبا ـ مهما كانت توجهات حكوماتها ـ يعتقد جازماً في حيوية وقوة تأثير المجتمعات المدنية الأوروبية ومؤسساتها الفاعلة والمنتخبة من نقابات وجمعيات مهنية واعلام مستقل. فالعراق حاضر في كل المحاور الإعلامية.. بالطبع بالأخطاء التاريخية الكبرى لنظام الرئيس صدام حسين، ولكن كشعب عربي يقع في قلب الشرق الأوسط وترتبط الأحداث فيه بكل شعوب المنطقة، وهو شعب يقع في دولة نفطية يرتبط العالم كله بملايين بمراميلها وبمخزونها النفطي الاحتياطي. ولعل افتتاحية صحيفة إيطالية كبرى «كوريرا دي لاسيرا» في عددها الصادر يوم الجمعة 14 فبراير، لخصت أكثر من سواها مشاعر الرأي العام الأوروبي حين قالت بصدق: «لعلنا اغبياء في الاتحاد الأوروبي.. وربما أيضا في الصين وفي روسيا، لأننا لم نقتنع بسبب هذه الحرب. أو لعلناً جهلاء بالبراهين الأميركية.. فليتفضل علينا السيد كولن باول ويطلعنا على سبب واحد وجيه لشن حرب على العراق..» ـ استاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com