الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 ينشغل الناس بما سوف يحدث للعراق أو لا يحدث لها في الأسابيع القليلة المقبلة، و تنشغل بعض الدول العربية المحيطة بالعراق والمتاخمة لها بما يمكن أن تكون عليه أوضاعها في المستقبل، وعلينا في الكويت النظر إلى ما بعد الأزمة، والاوفق أن ينشغل بالموضوع السياسيون والمهتمون بالشأن العام، وقد بدأت البوادر لذلك في الاجتماع الذي دعي إليه مركز الدراسات ألاستراتيجية في جامعة الكويت، والتأم ليوم واحد في العشرين من الشهر الماضي، حيث تحدث فيه ممثلون لعدد من التيارات السياسية في الكويت حول نظرتهم للمستقبل. في هذا اللقاء ركز كثير منهم على تأثير الاحتمالات المقبلة المباشرة من العراق على الكويت، وأشار بعضهم إلى خارطة الطريق التي يمكن للكويت أن تتبعها في السنوات المقبلة. بالتأكيد لن يكون الوضع الإقليمي القادم مطابقاً لما هو قائم الآن أوحتى قريب منه، لذا يجب أن تنشط العقول لقراءة الواقع واحتمالاته المتعددة ومن ثم تقديم الاجتهادات. على ارض الكويت يتجمع اليوم عدد كبير من القوات الأميركية، وتحجز قطعة كبيرة من أراض كويتية لهذا التجمع العسكري الأميركي. الذي سيكون على بعضه القيام بعبء التقدم لتحرير العراق، وهوسيتطلب بالضرورة مجموعة من السياسات الأميركية اللاحقة للتطبيق في العراق، بعضها اطل علينا من خلال جملة من التصريحات الرسمية أوالتسريبات الصحفية الأميركية، مفادها أن العراق يمكن أن يكون قاعدة ) لإطلاق شرارة الديمقراطية( في المنطقة المحيطة. قد يكون ذلك تصوراً يري البعض صعوبة تحقيقه، وقد يكون مجرد آمال يمكن أن تتبخر، ولكنه احتمال وارد من جملة الاحتمالات القائمة. والممارسة الديمقراطية في الكويت في المعنى المطلق ليست جديدة، كما أن مؤسساتها قائمة، ولكنها مثل أية مؤسسات إنسانية تحتاج إلى إعادة نظر وتقويم ومن ثم تطوير لتواجه على الأقل تغيرات الزمن إن لم يكن تغيرات الساحة المحيطة. فليس خافيا على احد من المراقبين للشأن العام أوالممارسين له، أن العشر سنوات الماضية كانت سنوات شبه عجاف في العمل السياسي الكويتي عجزت عن استيعاب المستجدات. لقد قال سموالأمير الشيخ جابر الأحمد في نهاية الثمانينيات أن عقد التسعينيات سيشهد نُقلة نوعية، وكان الرجل يطوف ببصيرته بعيدا للنظر في تطوير الكويت على قاعدة تأمين الديمقراطية من عيوبها، وولوج العصر الزاحف بتحدياته، إلا أن الاحتلال العراقي قد عطل من تلك الخطط، وانشغل الجميع بالتحرير ومن ثم البناء، ولم يكن بناء سهلا وهينا صحبته عقبات وجاورته متاهات، فقد تعاقب تشكيل الوزارات في زمن متسارع، إلى درجة تصل إلى عدم الاستقرار، مما قطع الأنفاس، كما استنزف الرجال في طاحونة سياسية، أدت إلى خروج الكثيرين من العمل العام، سواء على صعيد الهيئات التنفيذية أوالتشريعية، بكل ما يملكون من روئ، وما يحملون من خبرات، وما يختزنون من آمال، وتوترت علاقات السلطتين السياسيتين في البلاد فأصبحت علاقة توجس مليئة بالأزمات، معطلة للمصالح المرسلة. وسوف نرى فيما تعرضه حوادث الأيام المقبلة، أن العشرية الماضية رغم صعوباتها قد تكون الأقل في تحكم ألازمات في مسارها من العشرية المقبلة، بعد التحولات الجوهرية التي ستصيب المنطقة، فالأزمات الماضية كانت أزمات عدم يقين وتشتت للرؤية، أما ألازمات المقبلة -إن سرنا نفس السيرة- فستكون أزمات عدم ثقة، وهي بذلك أكثر ألازمات تأثيرا على الوطن والمواطنين. لقد كان تشكيل الحكومات المتعاقبة في الكويت تشكيلا ائتلافيا إن صحت التسمية، أي أن هناك أكثر من اجتهاد وتيار داخل التشكيل يريد أن يسحب الوطن تجاه تفكيره، فأصبحت المصالح والأمر كذلك معطلة لبعضها، متخاصمة في اجتهادها، قاعدة عن تقديم ما تريده وترغب فيه الأغلبية الصامتة، كويت في المستقبل. لقد كانت أصوات الاحتلال واختناقاته ونتائجه تترك صداها في تنفيذ البرامج الموضوعة، كما أصبح الأمر هو استرضاء لفئة، وتطويع فئة في الجسم التشريعي، وضاع البعض من المخلصين في ذلك الجسم المتخاصم في خضم بعض المنتفعين فيه على المستوى الشخصي من جهة أوالفئوي من جهة أخرى، أيا كانت الفئة، سواء كانت إيديولوجية أومصلحية ذاتية أوانتخابية. هذه الأجواء لن تتناسب مع أجواء قادمة في المنطقة، وقد تكون العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين في الكويت مرحلة انتقالية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولكن الانتقال ينتهي إلى الأفضل، وللوصول إليه لا بد من وضع خطوط عريضة لمرتئياته. لا تستطيع حكومة أن تحكم في إطار برنامج ائتلافي، تلك حقيقة شبه مطلقة في العمل السياسي يتصرف كل وزير فيها على «خر أذنه» كما يقول المثل السائد، دون شبكة من الأهداف الوطنية العامة التي يراد تحقيقها. والقاعدة الحقيقة لأي حكومة ديمقراطية هي أنها تحتاج في تنفيذ برنامجها أن يكون معلناً يصاحب مصالح الأغلبية، ويرجح حكم القانون ـ ولا بد له والأمر كذلك من قاعدة لها أغلبية نسبية في الهيئة التشريعية تقوم بتعضيد ذلك البرنامج الوطني دون معوقات، تقدم له الدعم اللازم والمناصرة، ولعل ذلك يصاحبه طرح فكرة المنابر أوالأحزاب التي هي في الفضاء الكويتي السياسي اليوم (مكروهة) لا هي محللة ولا محرمة، كالرقص على السلالم لا يؤدي غرض. فكل يعرف ويعترف أن هناك تكتلات سياسية في البلاد، ولكنها لا تظهر على السطح السياسي للمحاسبة والمراقبة، بحيث يحاسب الجمهور الفكر الممارسة وراء هذه التكتلات، بدلا من محاسبة الأفراد، فالأفراد في ظل النظام الممارسة الحالي قليلوالحيلة، يمكن التأثير فيهم وعليهم، فاقد والبرامج العامة، وهي اقل الثغرات في الممارسة السياسية وأكبرها في تعطيل العمل الديمقراطي الحقيقي. أمر المحاسبة والمراقبة الشعبية لا يمكن أن يتحقق في الترتيب القائم من حيث أولا عدد أعضاء الهيئة التشريعية، التي أصبحت قليلة بحساب عدد السكان بالنسبة لما يراد لها أن تقوم به، وهوليس ممكناً في الوضع الهلامي بين تكتلات في حالة سيولة دائمة، كما لا يتهيأ في الظرف الجديد والكويت من بين البلاد القليلة التي تسمح بانتخابات عامة، وتغيب نصف مجتمعها «المرأة» عن تلك الساحة، لذا فان الأمر يحتاج إلى نقاش جدي بين أهلنا في الكويت بان تطرح قضية تطعيم الدستور من جهة، وقضية المحاسبة الشعبية للتجمعات من جهة أخرى في الترشيح ووضع البرامج، توسيعا للقاعدة الانتخابية وترشيدا لها. من المعلوم أن الاقتصاد له حيوية قصوى في المجتمع، التفاصيل كثيرة، إلا أن اللغط جاري لمن يعرف مضامين الأمور، أن هناك خلطا بين المال الخاص والمال العام، وربما قد سبقت مجتمعات كثيرة تحييد هذا الأمر بطرح قانون لمعرفة أصول ممتلكات العضوقبل وبعد الخدمة التشريعية أوالتنفيذية، من اجل أن يعرف الجمهور ما له وما عليه، بدلا من ترك ذلك للاشاعات المريضة التي هي نقيض الشفافية. وذا استطردنا فنحن في السياسات العامة لهذا القطاع بين نقيضين حتى الآن أما (خصخصة)عشوائية وربما متوحشة، أو( اشتراكية)تتحمل الدولة كل سلبيات الممارسة فيها، وهي أشكال إيديولوجية ليس بالضرورة تناسب مع وضع قائم على ما يقوم عليه الاقتصاد في الكويت، فان تركت الأمور إلى الخصخصة المتوحشة، بالتأكيد سوف يهمّش قطاع واسع من المجتمع الكويتي، الذي في افتقاده للتطبيق الصحيح للقانون سيجد نفسه أمام هذا التوحش عرضة للأفكار المتطرفة، فحتى الفكرة الجميلة، بل وأقول الرائعة التي تبناها العقلاء في الكويت منذ أكثر من أربعة عقود (الجمعيات التعاونية)أهملت رقابتها حتى صارت ثقلا على المستهلك لا يجد بديلا عنها أومنقذا منها !وذلك مثال تتبعه أمثلة. لعل الأمر الآخر في التصور المستقبلي هوالاعلام والتعليم، وهما قناتان مهمتان لمسايرة القادم من تغيرات كبيرة، وهما في الكويت حجر الرحى في التغيير إلى الأفضل، وكلاهما يحتاج إلى أعمال فكر، إذا اقتنعنا أن (الإرهاب هو حالة فكرية) كما يتضح من كل أشكال الإرهاب، فهي حالة يساعد في خلقها أو وأدها الأعلام والتربية، فلقد أصبح الأعلام المقيد قيد على أصحابه، في الوقت الذي تنشر فيه وسائل الأعلام السمعية والبصرية والمقروءة بشكل لم يسبق له مثيل في عالم اليوم والغد ينبئ بأكثر، وما أقيم عليه إعلامنا وتعليمنا إلى اليوم يبدو انه قاصر في مسايرة النقلة المرتقبة. تلك هي أعمدة النور في الأجندة المقبلة، طرحها اليوم لم يعد ترفا، ومناقشتها الوطنية والعلنية لم تعد فرض كفاية. ـ كاتب كويتي