الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 ماذا لو حاولنا احصاء عدد الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية التي جمعت بين اقطاب الفكر والرأي واهل الاختصاص في المجالات العلمية المختلفة للتداول حول مشاريع التنمية الشاملة في العالم العربي، ثم نظرنا الى التوصيات التي تمخضت عن تلك اللقاءات وناقشنا بهدوء وعقلانية وسعة صدر النتائج التي ترتبت على تلك التوصيات ايها خرج الى النور وايها لم يحظ بأي نوع من الاهتمام؟ ان ما يؤسف له ان مئات بل آلاف الندوات واللقاءات الفكرية لم تستطع ان تحقق من اهدافها الا نسبة ضئيلة لا يمكن التعويل عليها لاحداث التغيير المطلوب، بل ان اغلب تلك الندوات اخذت طابعاً شكليا واكتفى اعضاؤها بالمشاركة المجردة نائين بأنفسهم عن تحمل تبعات ما بعد المشاركة حتى تخرج التوصيات التي تليت في المحافل العلمية الى النور، بل لقد حدث اسوأ من ذلك حين تحولت الوسائل الى غايات في نظر العناصر المشاركة في حضور مثل هذه البرامج ذات الوزن العلمي الثقيل. وأصبحت المشاركة بحضور المحافل والندوات العلمية تثير لدى بعض المشاركين الغبطة والاحساس بأن انفراجاً وشيكاً في مشاكلنا وأزماتنا الراهنة سيتحقق طالما ان الكلمات التي تتناقلها افواه الحضور ايجابية ومعيارية ودقيقة وليس هناك جدال في صحتها من الناحية النظرية؟ لكن السؤال المهم الذي يعترض البحث هو: كيف يمكن التعويل على مثل هذه اللقاءات والمنتديات وكيف يمكن الركون اليها واعتبارها انجازاً يمنح اعضاءه شهادة اعتراف بجدارتهم لقيادة مجتمعاتهم وأهليتهم للنهوض بتبعات مرحلة البناء والنمو الشامل رغم اقتناع بعضهم بأن المشاركة في الندوات الفكرية تحميهم من اي التزامات اخرى نحو مجتمعاتهم؟. والسؤال الآخر: هل يستطيع التنظير وحده ان يحقق نتائج بارزة في الواقع المنظور دون ان تكون هناك برامج عمل تتزامن مع هذا التنظير وتجسر الصلة ما بين المثال والواقع، وتمهد لممارسات اكثر قدرة على اختصار المسافة ما بين الاهداف ونقطة البداية التي لم تتخطاها العديد من المشاريع التنموية بعد؟! ألا تدل مثل هذه القناعات الضعيفة على اشتراك هؤلاء المثقفين الذين يتبنون الدفاع عن مواقفهم الخاصة بغض النظر عن النتائج العلمية التي تحققها قناعاتهم مع سواهم ممن يقدمون القليل ويرون انهم قد اعذروا ولم يعد بأيديهم ان يقدموا المزيد؟! ترى أليس هذا التصور المحدود وهذه النتائج الضعيفة تتماثل محصلتها النهائية مع نتائج مؤتمرات القمة العربية. أليس ما تتناقله الصحف وتتناوله الاقلام بالنقد المباشر والصريح للقرارات الفوقية التي لا تترك اي صدى على الارض، وللتوصيات الصادرة من الاعلى الفاقدة للقدرة على تحريك المياه الراكدة في الواقع السياسي والثقافي الذي يعاني من ازمات لم تعد خافية على احد يتشابه مع الركود الذي تعاني منه المحافل العلمية؟ ان ذمة المفكر والعالم لا تبرأ بمجرد حضور المحافل الدولية، ولا يمتلك اي مشارك مهما كان وزنه العلمي حصانة ترفعه فوق مستوى المسئولية الفردية في المساهمة الواسعة لتغيير الواقع السلبي. ان ثمرة العلم النافع العمل الصحيح والمنظم، وثمرة العاطفة الصادقة المزيد من العطاء الذي لا يكتفي بالادوار النمطية المحدودة الاثر بل يجتهد الى المدى البعيد في شحذ قوى الفرد العقلية وملكاته ومواهبه نحو الهدف الذي آمن به. فلا يبخل بجهد او بموقف ولا يقنع بالقليل. بل يستمر مشمراً عن ساعد الجد والعمل ضاربا اروع الامثلة على ما يصنعه الانتماء الواعي بأتباعه المخلصين.