الثلاثاء 17 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 18 فبراير 2003 في الأسبوع الماضي أعلن وزير التربية والتعليم قراراً بشأن الخطة التي ستلتزم بها الوزارة في الأعوام المقبلة والتي سيكون التركيز فيها بالدرجة الأولى على المتعلم، وهذا ما نادى به الجميع منذ سنوات طويلة، إلا أن المطلع على واقع العملية التعليمية يرى أن الوزارة مازالت تصر على محاصرة ومحاكمة ومعاقبة المعلم بهذا الطالب وهاجس تعليمه، فالملف الذي يقوم باعداده جميع المعلمين والمسمى بـ «ملف الإنجاز» ليكون دليلاً ثبوتياً على كل ما قام به هذا المعلم طيلة العام الدراسي ومن ثم يتم تقييمه من قبل الموجه يحدث السلب أكثر من الإيجاب، فالمعلم مطالب بجمع الوثائق التي تدل على جميع الاستراتيجيات التي قام بها أثناء التدريس من وسائل وأوراق امتحانية وما إلى ذلك حتى وإن جمعها دون تطبيقها وهذا أول سلب فيه. ونضيف السلبية الاخرى في «ملف الإنجاز» وهي ان المعلم يطالب بتوزيع استبانة على الطالب وولي أمره وكل منهما يقوم بتقييم المسكين الذي حكم على نفسه بالمحاكمة الأبدية عندما قرر أن يكون معلماً، ومن البنود التي يقيمها ولي الأمر في المعلم: (هل المدرس يشجع ابني؟)، (يرصد درجات ابني بدقة؟)، وهي أمور لا نستطيع تحديدها، فما أدراك بما يحدث في الصف وما يوجه لابنك من تشجيع، وما أدراك إن كان هذا المعلم قد راعى الدقة في رصد الدرجة الشفوية لابنك والتي لا يمكنك التأكد منها ولا حتى محاججته فيها؟! وينتقل الطالب بعد ذلك، الذي لم يخرج من البيضة بعد، ليقوم بعواطفه التي لا تمكنه من الموضوعية في الحكم على الآخرين لنجعله يقيم ذلك المعلم الذي قضى عمره مكرساً كل طاقته من أجل تعليمه، حتى لو سلمنا بأنه أسوأ معلم، ولكن يكفي بأنه يحتمل ما لا يحتمله الآباء من أبنائهم، ليقف محاسباً من ابن الصف الرابع ليختصر عمل ذلك المربي في اجابته على ذلك الاستبيان والذي يأخذ درجة فعلية في تقويم المعلم. ومن الأسئلة التي يقيّم بها الطالب معلمه: (يدربني على مهارات التفكير)، وأراهن اننا لو سألنا أي طالب عن مهارات التفكير فلن يعرفها، (يرصد درجاتي بصورة تعبر عن مستواي)، فهل المعلم هو من يقيّم التحصيل أم الطالب؟ (أحب هذه المادة الدراسية)، ما ذنب المعلم إن كان الطالب يحب الرياضيات أكثر من اللغة العربية فهذه ميول، حتى وإن بالغ المعلم في ترغيب الطالب في المادة، فلو أجبرنا كمعلمين على ترغيب الطلاب في المادة وحصر اهتمامهم في مادة دون سواها لما خرج الطبيب والمهندس والمحامي، كما انه ليست هناك ضرورة تقضي بأن يحب الانسان كل ما يتعلمه، إذ انه أمر نسبي. ويمضي ملف الانجاز هذا متهكما بذلك المعلم ليجد نفسه مجبراً على حضور دورات تدريبية ترفع من تقديره، أو ما يقوم مقامها من الإعداد لحصص المشاهدة أو ما يسمى بـ «الدروس النموذجية» التي تقوم على التمثيل لحظة تواجد الموجه في الحصة والزائرين بشكل مبالغ فيه يعد فيها الطلاب مسبقاً للدرس، وفي النهاية وبعد «طلعة الروح» يكون المعلم قد استنفد وقتاً في إعداد هذا الملف وصرف الجزء الأكبر من راتبه على وسائل تعليمية لا توفرها له الوزارة وخضع لزيارات صفية، إشرافية، تشخيصية، تقويمية، تدريبية، استطلاعية، تنسيقية، ليكون في النهاية قد أرضى «الوزارة» بعد أن جمع أشلاءه وأعصابه في ملف يحفظ على أرفف الوزارة. وهنا نطرح السؤال: هل المعلمون الذين صنعوا أعلام المجتمعات والذين لم يكن لدى الواحد منهم سوى الطباشير والذين لا نجد لهم ملفات إنجاز قد أخفقوا في رسالتهم التعليمية؟!