الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 في مرحلة من تاريخ الصين المعاصر منعوا أي حديث عن شاعر الانجليز الأكبر ويليام شكسبير.. وكان من الطبيعي أيضا ان يصادروا أي عرض لمسرحياته العظيمة التي ما برحت تعيش في وجدان البشرية على مدى 500 سنة تقريبا (رحل شكسبير عن دنيا الأحياء في عام 1616). وكان السبب الذي ساقه زعماء الثورة الصينية في عقد الخمسينيات الماضي طريفا بقدر ما كان غريبا وهو: ان المذكور أعلاه ـ ويليام شكسبير ـ كاتب درامات ومسرحيات تتناول حياة الأباطرة والملوك.. وكان الحديث عن الأباطرة والملوك محظورا ويعد من المحرمات الثورية المرفوضة لدى جهابذة ورقباء النظام الشيوعي في ذلك الزمان. وبمناسبة الرقباء وما كانوا يصدرونه من ممنوعات ومحظورات لا يزال المثل مطروحا وبليغا من تصرفات أشهر رقباء روسيا السوفييتية في عهد ستالين.. كان اسمه جرانوف أو زادانوف.. وكان قد بلغ من التزمت الحزبي وضيق الأفق السياسي الحد الذي رفض فيه حديث الشعراء الروس منذ العشرينيات والثلاثينيات عن ضوء القمر والغرام المشبوب عن القدود الرقيقة والخصور النحيلة.. وعن اللقاء والوصال والهجر وسائر بضاعة الرومانسية لدى شعراء كل زمان.. يومها نادى الرفيق جرانوف بأن الانسان السوفييتي كائن جاد عامل مكافح وكادح.. أليس يعيش فيما كانوا يسمونه ديكتاتورية البروليتاريا وهم عمال الصناعة الأجراء الكادحون ومن ثم دعا السيد جرانوف شعراء زمانه الى ان يكفوا عن أحاديث الحب والغرام وعن التشبيب في جمال المحبوبة والتغزل في محاسنها.. كل هذا كان يعده جرانوف عن مواريث الاقطاع وبضاعة البورجوازية. وحين تساءل شعراء تلك الحقبة الخانقة فقالوا: ـ أيها الرفيق المحترم جرانوف.. في أي أغراض اذن تكتب قصائد الحب والغزل؟ يومها أجاب الرقيب السوفييتي قائلا: ـ نفسي ومنايا ان أقرأ قصيدة لشاعر منكم.. يتغزل.. مثلا.. مثلا في ماكينة توليد الكهرباء التي تم تركيبها مؤخرا في مدينة نوفوغراد.. ولسنا نشك في ان منع مسرحيات شكسبير في الصين أو مصادرة قصائد الحب الرومانسي ـ العذري لو سمحت ـ عند شعراء السوفييت دع عنك محاولة اغرائهم (بغير طائل معقول) بأن يتغزلوا في عيون ماكينات الكهرباء وطائرات السوخوي والانتينوف ـ انما هو نتاج مراحل في حياة الشعوب والنظم السياسية أقرب شبها بمراحل المراهقة في حياة الأفراد عن بني البشر. كم من ثورة عاشت في بداية عمرها هذه المراهقة فاذا بها تحرم سماع الموسيقى ان تحظر سماع فنان أو فنانة مهما بلغ أو بلغت شأوا بعيدا في مضمار الابداع، ولعلك تذكر ـ من واقع المسلسل الشهير المتلفز ـ كيف أمر ضابط صغير من رفاق عبدالناصر بمنع أغاني أم كلثوم في اذاعة القاهرة.. لماذا يا مولانا؟ لأنها كانت تغني ابان العهد البائد يا أفندم؟ يومها أمر عبدالناصر باعادة أم كلثوم الى الأثير المصري والعربي قائلا كلمته الشهيرة: ـ ان صوت أم كلثوم جزء من التاريخ.. فهل يجوز لنا ان نهدم الأهرام؟ والمعنى ان أحداث التاريخ... مآثره ومنجزاته بل وأحيانا فواجعه ومآسيه تخلق أوضاعا وتبلور صياغات ومسميات يظل من غير المجدي العبث بها أو محاولة تغييرها أو تبديلها بوحي من الظروف المؤقتة أو لارضاء نزوات أو أهواء لا تلبث ان تتبدد كما تغيب، ولو قيض لحكاية أم كلثوم والعهد البائد (والاشارة هنا طبعا الى عهد ملك مصر السابق فاروق وأسرته الألبانية الأصل) لضاع من عمود الفن والموسيقى المعاصرة أعمال جليلة لمجرد أنها تعرض في ثناياها لذكر الملك السابق فاروق بن أحمد فؤاد. ومنها مثلا حبيبي يسعد أوقاته ـ لحن الليلة عيد الذي كتبه بيرم التونسي وصاغه لحنا شرقيا أخاذا من مقام البياتي الموسيقار زكريا أحمد.. ولضاع لحن في قامة «أنشودة الفن» للموسيقار عبدالوهاب. ونحمد الله ان لم يسدر الرقيب المصري اياه في غلواء الحظر والمنع والا كان قد تابع خطى زميله الصيني في منع شكسبير أو أمثولة زميله السوفييتي جدانوف في النظر بعين الريبة والرفض وهي بالضرورة عين الحكومة الحمراء التي كان رقباء السوفييت يرفضون بها اعمالا فنية جليلة وابداعات أقرب الى الفتوحات في دنيا الجمال بدعوى أنها أعمال بوجوازية تتناول موضوعات تتصل بملوك أو أمراء أو أميرات. ترى كيف يكون حظ ـ بالأدق سوء حظ ـ الشعر العربي لو طبقنا هذه المعايير من التزمت المراهق الى حيث الاختلال على ديوان العم الكبير أبي الطيب المتنبي ومن أعظم ما قاله شاعر العربية الأكبر أماديحه المبدعات في سيف الدولة ـ وقد كان كما تعرف أميرا مثقفا وفارسا عربيا شجاعا وحاكما شديد الاحترام؟ تكتب هذه الكلمات وما زال يرن في سمع الذاكرة افتتاحية العمل الفني الكبير الذي استهل به المتنبي مدحته لسيف الدولة وهو يستعرض أسرى العدو فقال: وقفت وما في الموت شكٌ لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائم تمُرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهُك وضّاحٌ، وثغرك باسمُ نكتب هذه الكلمات أيضا وقد وافت آخر الأخبار من روسيا بأن كوكبة من أبطال الحرب العالمية الثانية رفعوا عقيرتهم مؤخرا ـ ورغم وهن الشيخوخة في خريف العمر ـ مطالبين باستعادة اسم «ستالنغراد» المدينة الباسلة التي شهدت ملاحم بطولات الرجال وكفاح النساء وصمود السكان المدنيين وحروب المقاومة في الأزقة والدروب حين حاصرتها وهاجمتها قوات الغزو النازي خلال الحرب العالمية الثانية. يقول التاريخ الروسي ان القياصرة أنشأوا مدينة تسارتسين على نهر الفولجا عام 1589 وحين دافع عنها ستالين عام 1925 ضد معارضي نظامه أطلقوا اسمه على المدينة فأصبحت ستالنغراد.. وما كان لأحد ان يذكر هذا الاسم الا بعد ان سجلت المدينة ملاحم الصمود ومآثر البطولة حين وقفت بوجه الغزو النازي في نوفمبر عام 1943 وأرغمت هذه القوات الهتلرية على التسليم بعد ان فقدت المدينة نحو مليون من سكانها وبعدها تحول مسار الحرب العالمية الى حيث بدأت القوات السوفييتية في مطاردة الغزاة الألمان فواصلت زحفها عبر شرق أوروبا حتى دخلت برلين في عام 1945 وبذلك وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها.. وكانت أوزارا جسيمة كلفت البشرية ثمنا فادحا.. مع ذلك تعرضت ستالنغراد لعوارض مراهقة السياسة فكان ان جردوها من اسمها الذي ترددت أصداؤه في جنبات العالم نكاية في ذكرى وميراث ستالين فأطلقوا عليها منذ عام 1961 اسم فولجوغراد ـ الاسم الذي تعرف به الآن ـ نفس الاسم الذي يرفضه من بقي حيا من سكانها الأبطال مطالبين بأن تستعيد مدينتهم اسمها الذي دخل حوليات الشرف في التاريخ الحديث: «ستالنغراد». وكانت المناسبة هو الاحتفال في أوائل فبراير الحالي بذكرى مرور 60 عاما على معركة ستالنغراد وسط وقائع الاحتفالات وقف كيريل شاتوف وقد بلغ من العمر 86 عاما وكان وقت المعركة ملازما شابا في الجيش السوفييتي وخاطب رفاقه ممن لا يزالون على قيد الحياة وعددهم نحو 50 ألف فرد وخاطب مندوب الرئيس الروسي بوتين قائلا: ـ يا سيدي.. لقد كان كل شئ في مدينتنا الجميلة يحترق.. وما كان أحد يستطيع رؤية السماء وسط سحابات الدخان.. ولكننا دافعنا وصمدنا وكنا وقتها ندافع عن مدينة اسمها ـ بعد اذنك ـ ستالنغراد.