الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 إذا شنَّت الولايات المتحدة الأميركية حربها العدوانية على العراق وغيَّرت نظام الحكم فيه، واحتلت منابع النفط، وأعادت تشكيله وتكوين أجياله وفق استراتيجية سياسية تربوية وثقافية ترسمها له ولسواه من البلدان العربية والإسلامية، فإن هذه السابقة سوف تتكرس لاحقاً بتغيير أنظمة حكم أخرى وإعادة تكوين بلدان وثقافات، وسوف يصبح القرار السيادي لأية دولة بيد التحالف الأميركي ـ الصهيوني، لا سيما في هذه المنطقة من العالم. وقد بدأت الدوائر الأميركية المختصة حديثها عن رسم سياسات شاملة للمنطقة منذ أشهر وكذلك الحديث عن تغيير في المنظور العلمي والعملي لمفهوم السيادة الذي قامت عليه الأمم المتحدة، وهو مفهوم لم يعد ملائماً، من وجهة نظرها، للعالم بعد التطورات والمتغيرات التي حدثت لا سيما بعد الحادي عشر من سبتمبر2001. يقول ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية، «إن السيادة تتوقف على تنفيذ كل دولة لبعض الالتزامات الأساسية نحو مواطنيها من جهة ونحو المجتمع الدولي من جهة أخرى.. وعندما يتخلى أي نظام عن الارتقاء إلى مستوى المسئوليات أو يسيء استخدام صلاحياته، فإنه يجازف في فقدان امتيازاته بالسيادة والتي تشمل في أقصى الحالات حصانته ضد التدخل العسكري. ويتابع هاس قائلاً: «إن مبدأ عدم التدخل لم يعد مقدساً بعد الآن حتى داخل أروقة الأمم المتحدة، وهي هيئة أنشأتها الدول المستقلة وتعمل من أجل سيادة واستقلال الدول». ولا ندري هل يعد مثل هذا السلوك الأميركي إجرامياً بنظر الأمم المتحدة؟ وهل يحرك هذا القول شيئاً في الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي قال: «إن الدول المصممة على انتهاج سلوك إجرامي يجب أن تدرك أن الحدود لا تؤمن لها الحماية المطلقة». أم أن القول الذي يصدر عن دولة عظمى لا يقاس بالمعيار ذاته عندما يصدر مثله أو أدنى منه من دول ليست كذلك!؟ لا أظن أن ذلك يطبق لأن مبدأ القوة هو الذي يقرر ويوجه ويحكم حتى في الأمم المتحدة. يقظة جديدة ويستمر هذا المنطق العدواني المعلن في الاتساع وفق منظور أميركا للإرهاب لا تشاركها فيه دول كثيرة في العالم، يقول الرئيس بوش: «يجب على الدول التي تتمتع بالحريات أن تحارب الإرهاب.. وعندما تتردد الدول عن تأدية هذا الواجب الأساسي، سنعمل مع شركائنا وبمفردنا إذا دعت الحاجة على محاسبتها». ويعمِل الرئيس بوش مبدأه، أو المبدأ الأميركي الخطير الذي يجدده، وهو مبدأ الضربات الوقائية أو الضربات المسبقة، أو الاجهاضية، وهو مبدأ ذكره الوزير الأميركي دانيال ويستر قبل قرن ونصف حسب هاس: الدفاع عن النفس عن طريق استباق الحدث. وتسعى الإدارة الأميركية إلى ترسيخ ما تراه حقها في أن تتدخل في شئون الآخرين وفق مبادئ وقواعد تقررها وتفسرها وتنقضها وفق مصالحها وهي تقول اليوم بالتدخل العسكري في شئون العراق وغيره بذرائع منها نزع أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الإرهاب، وتنادي بنقض مبدأ السيادة أو تكبيله بشروط على ألا يشملها ذلك، يقول هاس: «وفي مطلق الأحوال يجب أن ترفع الحواجز أمام التدخل المسلح» و «إن السيادة أصبحت تعتبر مطلقة بشكل أقل، ومشروطة بشكل أكثر، مما كانت عليه في الماضي». وقد ذهب التحالف الأميركي البريطاني الصهيوني إلى المدى الأبعد في الإعداد للحرب والإعلان عن خوضها، وقد قال وزير الدفاع البريطاني جيف هون في مؤتمر صحفي مع رامسفيلد من واشنطن: «إن بريطانيا مستعدة لخوض الحرب إلى جانب الولايات المتحدة ضد العراق حتى وإن لم تحصل على قرار ثان من مجلس الأمن الدولي». ونتساءل: أليست هذه حالة خروج معلن على ميثاق الأمم المتحدة ومخالفة صريحة للمادة 42 من الميثاق؟! أليس ما يرتب من جانب هذه الدول هو بالمفهوم الدولي عدوان سافر مسبق الإعداد والتصميم ومعلن بشكل تماماً يهدد الأمم المتحدة ذاتها ويلغيها لمصلحة الأقوياء ومصالحهم، وضغط مباشر عليها لتتخذ ما يريدون من قرارات وهو مما ينبغي أن يحاسب عليه القانون الدولي كما يقولون لي؟ وهذا التوجه يوضع ويعلن لمرحلة الهجوم على العراق وما بعدها، وقد أعلن الوزير كولن باول أمام لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي قبل أيام أن الحرب على العراق ستفتح الطريق أمام إعادة تشكيل المنطقة. وإذا كان بعض أهل حكم من العرب قد أدركوا أنهم مشمولون بالتغيير الأميركي على نحو ما، حتى لو وضعوا رؤوسهم تحت المظلة الأميركية، إلا أن أوروبا «العجوز» أدركت أبعاد الخطر بشكل أشمل وأعمق، ويبدو أنها جادة في الدفاع عن مصالحها و«شبابها» اللذين تمثلا بقرارها في اجتماع حلف الأطلسي من موضوع تأمين الحماية لتركيا إذا ما شُنَّت الحربُ على العراق، فقد قال شرودر في البوندستاغ: «إن الحلف من أجل المباديء وليس من أجل المصالح»، و «إن برلين وباريس وموسكو ستقاتل من أجل حل سلمي للأزمة» وقال «إن العراق ليس لديه أسلحة محظورة ويجب أن تنزع هذه الأسلحة من كل الشرق الأوسط». وهاتان إشارتان لهما معناهما ومدلولهما الكبير في مثل هذا الظرف وهذا الوقت وهذا الموقف، وحبذا لو يقدر العرب ذلك حق قدره ويستثمر من يستطيع منهم الاستثمار في هذا التوجه الجديد وعلينا أن نتذكر ونحن نتابع هذا المستجد جذوراً أقدم له في هوامش الموقف الألماني الذي سبق انتخابات شرودر وما قالته وزيرة في الحكومة الألمانية آنذاك عن تماثل سياسة بوش الإبن مع سياسة هتلر النازية، وكذلك هوامش في الموقف الفرنسي منذ زيارة شيراك للقدس المحتلة وموقف الصهاينة منه لندرك أبعاده وعمقه. ولنا بل علينا أن نسأل: هل نحن أمام تحول جوهري في السياسة الأوروبية يقود إلى استقلال القرار السياسي الأوربي ويفتح الطريق أمام زوال الاحتلال الأميركي المباشر وغير المباشر لمواقع ومواقف وإرادات وعقول وتوجهات أوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ هل إطلالة ديغول الذاكرة على أوروبا مستقلة وقوية من خلال شيراك ـ شرودر اليوم ستكون أقوى من إطلالته المباشرة قبل عقود من الزمن يوم كان يريد لأوروبا صوتاً وموقفاً مستقلين عن الولايات المتحدة الأميركية؟ وما الذي يعنيه انضمام روسيا لهذا التوجه ؟هل هو مجرد الحرص على باقة المصالح المختلفة عن المصالح الأميركية التي يلوح بها العراق ؟ هل هي اليقظة على المخطط الأميركي الخطير الرامي إلى التحكم بشريان الطاقة الذي يغذي جميع الدول المتقدمة صناعياً ومن ثم التحكم بمستقبل أدائها إلى عقود أو قرون قادمة؟ هل هو ضيق بالغطرسة والسَّفَه الأميركيين عبَّرت عنه أطراف في الحلف تبعتها أطراف خارجه تعبت هي الأخرى وشعرت بالمهانة من السلوك الأميركي المشين، وأن الحلف أو بعض أطرافه يقفون اليوم مع أصدقائهم موقفاً مبدئياً وليس مصلحياً خالصاً؟ وهو ما عبر عنه شرودر بقوله أمام البوندستاغ كما أسلفت: «إن الحلف من أجل المباديء وليس من أجل المصالح»؟! إن كل ذلك وارد وكله جدير بأن نأخذه بالاعتبار ونحن نلهث وراء موجة جديدة من الأحداث سيكون لها تأثير كبير في رسم صورة مستقبل العلاقات الدولية والنظام الدولي المنتظر. لعبة توريط قال كولن باول: «إن الأمم المتحدة ستثبت أنها أصبحت غير مجدية إذا لم تتوصل إلى قرار إيجابي حيال العراق»، والقرار الإيجابي من وجهة نظره هو تأييدها لشن الحرب على العراق، وهذا الموقف الأميركي تهديد للأمم المتحدة بنقض بنيانها إن لم تسر وفق الرغبة الأميركية؛ وهو يكشف بوضوح العقلية الأميركية العدوانية من جهة، والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في الصلف والتدمير من جهة أخرى، ويجعل من باول وأمثاله الذين قد لا تكون لديهم القناعات ذاتها التي لبقية أقطاب الإدارة الأميركية بالحل العسكري، يجعلهم يبدون كمن يرث مهنة أبيه فذاك بواب بناية يراقب ويبلغ وهذا بواب إدارة يراقب ويبلغ، ويبقى عذره المشروع أنه: «العبد المأمور» لأصحاب المصالح والنفوذ كما يقولون. وتتصاعد الأزمة في حلف شمال الأطلسي، وقد بعث تصريح رامسفيلد عن أوروبا القديمة حساً جريحاً بالكرامة ونزوعاً أوروبياً ضد النفوذ الأميركي وربما لعب الاستغفال الأميركي للأوروبيين دوراً كبيراً في ذلك، فقد استيقظت فرنسا وألمانيا على لعبة توريط أميركية لحلف الأطلسي في الحرب التي تعد لها الإدارة الأميركية ضد العراق عن طريق طلب الحماية لتركيا من تهديد لها من العراق، الأمر الذي يجر الحلف إلى الحرب من خلال حماية تركيا ويجعله يتورط فيها قبل ان يُتَّخَذَ قرارٌ بهذا الشأن في مجلس الأمن الدولي، كما يجعل فرنسا وألمانيا اللتين طلبتا العودة إلى مجلس الأمن لاتخاذ قرار بشأن العراق عاجزتين عن اتخاذ أو مخالفة أي قرار في المجلس يخالف رغبة الولايات المتحدة الأميركية الذاهبة إلى الحرب بقرار دولي أو من دونه. وكانت تلك عملياً لعبة أميركية لمحاصرة موقف فرنسا وألمانيا في المجلس وجعلهما تصوتان حكماً إلى جانب قرار الحرب، الأمر الذي جعل الدولتين تقفان ضد الطلب الأميركي ـ التركي في اجتماع الناتو حيث طالبتا بتوفير حماية لتركيا من العراق، بينما العراق يريد من يحميه من شر الحرب الأميركية البريطانية المعلنة؟! وفي ذلك رفض صريح للعبة الأميركية المكشوفة، وتلويح جاد بعدم التصويت إلى جانب قرار أميركي بشن الحرب في مجلس الأمن الدولي بعد أن قدم بليكس والبرادعي تقريريهما يوم الجمعة في 14 فبراير الجاري في جلسة علنية للمجلس. وفي موسكو صوت 352 من 400 عضو في البرلمان الروسي إلى جانب قرار يقضي بأن تستخدم موسكو «مكانتها الدولية وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن بهدف توفير تسوية سلمية للأزمة العراقية وفقاً للقوانين الدولية»، ولم يصوت الدوما على الوقوف بوجه استخدام القوة، ولكن الرئيس بوتين لوَّح باستخدام الفيتو في وجه قرار الحرب حيث أعلن يوم الأربعاء 1222003 من فرنسا: «أن روسيا استخدمت الفيتو مرات عدة في مجلس الأمن وهي على استعداد لاستخدامه إذا لزم الأمر» وحين يصل الرئيس الروسي إلى هذا الحد من التلميح فإنه قد يعني ما يقول وقد يصل إلى تنفيذ ما يعنيه، وهذا سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الروسية ـ الأميركية لها أبعادها وحساباتها وتكاليفها ونتائجها وانعكاساتها على الوضع الدولي. والإشارة التي يجدر بنا أن نتوقف عندها هي تلك التي ظهرت من الصين التي أعلنت أنها تؤيد فرنسا وألمانيا وروسيا في موضوع البحث عن حل سلمي للمسألة العراقية وإعطاء المفتشين الوقت اللازم لإنهاء التفتيش والتوصل إلى قرار نهائي وتأتي أهمية موقف الصين من كون هذه الدولة لا تتخذ مواقف مكلفة وجادة في مبدئيتها إلا عندما تتيقن من جدية مواقف الدول الأخرى ومبدئيتها وهو موقف يختلف عن موقف روسيا التي تحرص على مصالحها وتخشى الولايات المتحدة الأميركية ويمكن أن تتقدم في هذا الاتجاه أو ذاك حسب المصالح والضغوط والمعطيات وأهمية المؤشر الصيني ليس في ذاته بمقدار ما هو تأكيد على جدية الآخرين في مواقفهم : أي فرنسا وألمانيا وروسيا إلى حد ما. من هنا يجوز لنا أن نتفاءل بموقف دولي حازم في مجلس الأمن موقف يمنع صدور قرار الحرب، يكشف مثيريها بدل أن يغطيهم بمظلة دولية، وإن كان لا يصل إلى حد الوقوف في وجه المعتدين بقوة السلاح وهو موقف له ما بعده، ويمكن أن ينذر ببداية تشكل كتلة دولية خارج حدود السيطرة الأميركية أو التبعية الآلية لما تريده الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم يكون هناك مدخل لتغير في النظام الدولي الذي يعاني من سيطرة قطب وحيد الطرف محكوم بعنصرية صهيونية ـ أميركية وبرؤية مغلقة على المصالح الأميركية. المؤسف والمثير والمؤثر بشكل سلبي هو موقف بعض الدول العربية في هذا الموضوع: فمن قائل بأن الوقت قد فات لتلافي الحرب، إلى قائل بوجوب حدوث معجزة توقف الحرب وليس هذا عصر المعجزات، إلى منادين بسرعة الاستسلام صوناً للسلام، إلى ناشرين جيوشهم هلعاً من «تهديد» العراق المحاصر والمهدد بالحرب والمستجير بالعالم ليوقف عنه الحرب، والهلع هو ما يفعلون، لأن الأميركي الذي طلب منهم ذلك ليورطهم في حربه على العراق ويجبرهم على دفع ما يرتبه عليهم من تكاليفها ونجح معهم ولقي منهم استجابة تتخطى سرعة البرق، هو الذي أراد من حلف الأطلسي أن يحمي تركيا ليورطه في الحرب وفي دفع جزء من تكاليفها ولكنه رد في حلف الأطلسي على عقبيه ولقي في منطقتنا من يسبقه إلى ما يريد ويحمي قدميه. والمدهش بين هذا وذاك من المواقف هو موقف احد المسئولين في دولة عربية يعمل بكل دأب وتصميم مسئولاً عن الحرب النفسية الأميركية ضد العراق. وعندما نجح عدو العرب والإنسانية في انتخابات الكيان الصهيوني المجرم شارون بادر بعضنا إلى تهنئته مدعياً الحكمة التي قد تجنب الفلسطينيين الذبح!؟ وهو يدرك جيداً أنه لا يفل الحديد إلا الحديد ولا يوقف شارون إلا قوة تجعله يدفع ثمن جرائمه دماً؟! ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب