الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 في الحلقة الماضية من برنامج حوارات لقرن جديد الذي تبثه قناة اقرأ الفضائية وتقدمه هبة رؤوف اشار الدكتور ابو يعرب المرزوقي استاذ الفلسفة في جامعة تونس الى واحدة من اخطر الظواهر السلبية التي تهيمن على الساحة الاجتماعية وتسحب خلفها كماً من الاخطاء والممارسات الضعيفة اثناء التصدي لعلاج مشاكلنا المركبة. وتتمثل على حد تعبير الاكاديمي البارز في غياب الدراسات الاجتماعية للمشاكل التي يعاني منها المجتمع، والتي تختص بتصنيف المشاكل وتحدد درجة انتشارها في المجتمع وتجري بحوثاً ميدانية شاملة حول اسباب نشوئها وأعداد الذين جرفهم التيار اليها وصرفهم عن اداء التزاماتهم التي لم يعودوا يبالون بها. ومن الثابت انه كلما غاب دور الرصد وجمع المعلومات حول كل ظاهرة من ظواهر المجتمع فإن الواقع السلبي سيظل يفرز المزيد من الظواهر المستهجنة والغريبة التي تمهد لمزيد من الخسائر في الموارد البشرية وفي الزمن الذي يضيع كلما اهملت واستعصت على الحل. الواقع المعاش بطبيعة الحال يعترف بصدق ما ذهب اليه الدكتور ابو يعرب، ويشهد ان هذا الغياب لرصد الظواهر الاجتماعية حاصل بنسبة 90% في شتى مراكز البحث التي تعاني من شلل مؤقت ان لم يكن دائماً في ادائها الموجه الى دراسة الظواهر الاجتماعية. لكن التحديث مطلوب، والتمرد على الروتين القاتل امر اصبح في حكم الفريضة المجتمعية التي ان اهملت عظم الشرخ في السفينة، وأشرف الناس على الغرق. والمؤسف ان كثيرا من مؤسسات البحث اصبحت مجرد هياكل خالية من الروح، كل ما فيها يثير التثاؤب ويبعث على الاحباط ويشعر المتابع ان بينه وبين المشرفين على تلك المراكز جداراً سميكا فلا هم يستطيعون سماعه، ولا يملكون النظر ابعد من مواطيء اقدامهم. بل ان مما يضاعف من حجم المشكلة التي تعاني منها تلك المراكز البحثية هي هزيمتها النفسية امام مطالب النهوض بواجباتها ومسئولياتها المختلفة وقناعتها بالدور الثانوي الذي تؤديه. ان اكبر الاخطاء تأتي حين يرفع شعار «ليس بالامكان ابدع مما كان» وحين ينبرى المدافعون عن الفشل في تدبيج الخطب العصماء حول ضرورة كف الألسنة عن توجيه اي نقد للاعمال الهزيلة الصادرة من هذه المؤسسة او تلك، طالما ان الفرص المتاحة والامكانات المتوفرة لا تسمح بتطوير الاداء الأمر الذي يسوغ لمزيد من التقصير ويفسح المجال لمزيد من الاخطاء. ولك اخي القاريء ان تأخذ هذه العريضة التبريرية وهذه المرافعة عن الفشل التي ليس لها ما يبررها وطنيا وأخلاقيا وتعرضها على المؤسسات التي اثبتت مصداقيتها المهنية، وتسأل القائمين عليها: هل كان الطريق امامهم مفروشا بالورود والرياحين؟ ألم تواجههم عقبات على طول الطريق استدعت ان يحشدوا لها قواهم وطاقاتهم وان يمنحوها من الوقت والاهتمام ما هيأ لهم التغلب عليها وتنحيتها عن طريقهم؟ ومن زاوية اخرى: ألا ينذر القبول بالمستويات المتدنية من اداء مراكز الابحاث الاجتماعية بإمكانية استنساخ ذلك الضعف في واجهات اسست لتكون مصادر اشعاع فكري تنشر المعرفة وتكافح الامية والتخلف بشتى أشكاله وصوره؟! أليس ذلك قد حدث فعلا، وأصبح لدينا بفعل الزمن المهدور عشرات من الواجهات الثقافية التي يعلو الغبار رفوف مكتباتها وتضل الاقدام الطريق اليها؟ ثم لماذا يجيد المسوقون للسلع المادية الترويج لمنتجاتهم بينما يعجز المعنيون بقضايا المجتمع عن التسويق لبرامجهم ومشاريعهم التنمويه والعلاجية؟! لماذا يخفقون في مرات كثيرة عن جذب الانظار إلى برامجهم والحصول على الدعم الذي يريدون؟ لماذا يتعاملون بيأس من امكانية ايجاد فرص لتسويق مشاريعهم بينما تتدفق الافكار الناجحة على المسوقين للبضائع الاستهلاكية بشكل يضعهم في دائرة الناجحين ويسدل الستار على سواهم من الغارقين في مشاعر اليأس والاحباط والضجر؟! ان العاجز لا ينجز، والمتخاذل لا ينتج!! ويبقى التألق محصوراً على ذوي الارادات الصلبة.