الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 الحمد لله الذي كتب لي ان اكون من بين من كتب لهم ان يؤدوا فريضة الحج هذا العام.. وله الحمد والفضل والمنة الذي يسر لي ان اقوم بهذا الركن من اركان الاسلام.. متمنياً ان يتقبل الله منا جميعاً توبتنا وتضرعنا ودعاءنا ويغفر لنا لنعود كما ولدتنا امهاتنا اول مرة.. كورقة بيضاء ناصعة لا تشوبها شائبة... فنكتب فيها ما يقربنا الى الله وجنة نعيمه.. شاكرين له فضله وكرمه وجوده على ما منحنا اياه من فرص وسبل وطرق لنعود اليه.. ونتقرب منه مهما شطت بنا السبل ومهما اغرتنا مغريات الايام والليالي ومهما سولت لنا نفوسنا الضعيفة من غي وتماد في الضلال والظلم والعدوان.. الحج دروس وعبر.. يشعر بها المرء وهو يؤدي هذه الفريضة بأركانها ونسكها ومعطياتها ويشاهدها مشاهدة حية على ارض الواقع.. يشعر بأن الجميع سواسية امام الخالق الواحد مهما اختلفت مشاربهم وجنسياتهم ومناصبهم وحتى مسميات حملاتهم حتى ولو كانوا في درجة «ذةض» في مسمى الحملة عليهم تأدية ما يؤديه المعدم الذي يفترش الطريق ويلتحف السماء.. الجميع يلبس لباساً واحداً مهما تأنق يعود ليكون كالآخرين لا يختلف عنهم الا في عمله امام الله... يؤدي نفس الواجبات ويذهب الى نفس الاماكن ويعبر نفس الطرق يعيش ما يعيشه الجميع.. الجميع سواسية امام الله. فينزل اصحاب السلطان والسطوة والجبروت مكرهين بقوة الله يكونون كالآخرين... انها تجربة تهز النفوس وتحرك المشاعر فيعتبر من يعتبر، فيعرف ان الناس سواسية.. وان لكل نصيبه واننا لا نتفاضل امام الله الا بمن جاءه بعمل صالح... هذا الشعور بالمساواة والتساوي كان طاغياً حتى في المعاناة من المشاكل التي كانت تمر بنا ونحن في تلك الاراضي المقدسة.. حيث اننا نتعرض لها جميعاً متساوين في المعاناة ونعيش الموقف نفسه اميرنا وفقيرنا... ان هذا التجمع الجميل الرائع له دلالات ودروس وعبر.. منها التعرف على اناس ما كنت لتعرفهم لولا تواجدك في هذه البقاع الطاهرة.. وإيجاد ألفة ومحبة ما كانت لتكون لولا هذا التجمع وفي هذا المكان بالذات.. واكتشاف لاناس كنت تعرفهم معرفة العابر وتكتشف انك كنت مخطئاً في تحليلك لهم وبشخصياتهم، وتندم انك لم تتعرف عليهم عن قرب لان معدنهم الاصيل والكريم تكشف لك بنقاء ووضوح في هذا المكان فندمت على ما فاتك من معرفة كريمة.. في هذا المكان تكتشف تفاهة التهافت على هذه الدنيا الزائلة التي آخرها كفن وحفرة بالكاد تتسع لك.. وعمر مضى لا تعرف الى اين سيقودك؟ تكتشف ان الله ما فرض هذا الركن عبثا.. وان تأدية هذه الاركان والمناسك في هذا الانتظام فيها من الدروس الكثير.. ومن التعليم والعبر ما يجب ان نفتح له عقولنا وقلوبنا ونستوعبه ونتعلم منه.. سواء كان في النظام او الترتيب او العبرة.. ان العيب فينا نحن المسلمين في طريقة ادائنا، اننا نسيء الى ديننا في طريقة تأديتنا للاركان والمشاعر والمناسك ـ فالعشوائية او المزاحمة او الاوساخ التي تنتشر بين الطرقات والقذارة التي نراها ليست الا منا نحن المسلمين الذين ننظر الى ما نقوم به من منظور الأداء او الوظيفة التي لابد ان تؤدى بغض النظر عن الاسلوب او الطريقة.. حيث يغيب المغزى العظيم للحج عن الكثيرين فيتحول من عبادة الى عادة تؤدى فقط لتؤدى فيكون ما نراه من زحام وقتلى. هناك الكثير من الدروس والعبر والمشاعر جالت وتجول بالخاطر تعلمنا ونتعلم منها ما نتمنى ان يفيدنا في حياتنا المقبلة إن شاء الله.. سواء بين الانسان ونفسه او مع الاخرين او مع الجميع.. وهناك واجبات على الفرد وعلى الحملة التي جاء عن طريقها ليؤدي فريضته وعلى بعثة الحج الرسمية للدولة وعلى وزارة الاوقاف والشئون الاسلامية. الكل يجب ان يؤدي واجبه على اكمل وجه.. ولوجه الله خصوصاً مع ارتباط هذا الواجب بركن من اركان هذا الدين العظيم.. ومع ملاحظاتي عن تلك الواجبات لنا لقاء في الاسبوع المقبل إن شاء الله...