الاثنين 16 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 17 فبراير 2003 الاصرار الاميركي على خيار الحرب في مسألة نزع اسلحة العراق دفع ملايين البشر في اكثر من 600 مدينة في مختلف بقاع الارض للخروج الى الشوارع لتأكيد رفضهم للحل العسكري، لكن ادارة واشنطن على ما يبدو تصمّ أذنيها عن كل هتاف يقول لا للحرب وتغمض عينيها عن اللوحات والشعارات المعارضة لخططها العسكرية في منطقة الشرق الاوسط. هذه المظاهرات المحبة للسلام تعكس مدى قوة الرفض لدى هذه الشعوب المختلفة للهيمنة الاميركية ومحاولات واشنطن التفرد في صنع القرارات الدولية والتحكم في الآخرين. هذه الاحداث تذكر بعام 1991 عندما حشد المجتمع الدولي وبقيادة اميركا عشرات ومئات الالوف من الجنود لضرب العراق لطرد قواته الغازية من اراضي الكويت، حينها لم يتحرك احد كما حدث اول امس ليعبر عن رفضه لذلك، رغم ان الطرفين المتقابلين هما اميركا والعراق مع اختلاف الظروف، لكن اليوم تختلف الدوافع التي تحرك آلة الحرب الاميركية تجاه بغداد، فالمستهدف اليوم ليس العراقيين والعرب فقط بل اوروبا والصين واليابان والهند واي قوة محتملة يمكن ان تنافس اميركا. وهنا يجدر ذكر تصريحات للاستاذ محمد حسنين هيكل في الشهور القليلة الماضية حيث ذكر ان العراق او المنطقة العربية بالنسبة لاميركا ساحة لترويض الآخرين القادرين على منافستها. ان استمرار الغطرسة الاميركية على هذا النحو واصرار ادارة بوش على تجاوز مجلس الأمن للانفراد بالعراق مع «من يرغب» يولد جيلا جديداً من اسامة بن لادن ويوفر الارضية لمزيد من التطرف «والارهاب» المعادي للولايات المتحدة. المظاهرات التي حقق بعضها ارقاما قياسية في مدن اوروبية خرجت ليس حبا في العراق بل ربما تعاطفا معه وتحسبا لتداعيات الحرب المحتملة على الاستقرار العالمي، ولكن الامر المؤكد وراء هذه المظاهرات هو الاجماع على رفض الهيمنة الاميركية. لكن بوش ومن حوله من رجال سياسة وحرب لا يبدو انهم سيتراجعون عن موقفهم الحالي ولكن يمكن ان يلجأوا الى حيلة او لعبة استخباراتية ليكسروا شيئا من هذا الرفض الدولي للحرب، وربما تخدم «الصدف» الموقف الاميركي في حدوث عمل ارهابي بشع في اوروبا مثلا بأيد وراءها تنظيم القاعدة او طرف آخر. بوش وادارته حاولا استغلال الصور التي التقطتها الاقمار الصناعية حول العراق وعرضها كولن باول على مجلس الأمن لاثبات تورط بغداد في المحظور. لكن هانز بليكس كبير المفتشين الدوليين شكك في هذه الصور خلال الاجتماع الاخير لمجلس الأمن، بوش ربما لم يشاهد الصور التي عرضتها شاشات التلفزة للمتظاهرين وهي اصدق من صور باول لتستوعب الادارة الاميركية الرفض الدولي لحربها ضد العراق، واشنطن تريد ان يشاهد العالم الحقائق كما ترغب وما يخدم مخططاتها وكأن الحقيقة تخرج من افواه بوش ورجاله فقط. ملاحظة اخيرة: تساءل الكثيرون عن المظاهرات والمسيرات الخجولة والهزيلة في شوارع المدن العربية، المواطن العربي لديه عشرات وربما مئات الاسباب ليتظاهر يوميا ومنذ زمن بعيد ولكن لا يحدث ذلك، فلماذا اليوم «والطبع يغلب التطبع»؟!