الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 في مقدمة الطبعة الثانية عشرة لرواية «شرق المتوسط» التي صدرت في طبعتها الأولى عام 1972 وأعيد طبعها 13 مرة حتى عام 2001، يقول عبدالرحمن منيف عن روايته الأولى إن الرواية حين صدرت قوبلت بموقفين يكادان يكونان متعارضين، موقف القاريء الذي يريد أن يعرف أدق التفاصيل عن عالم السجن السياسي، وموقف السلطات التي رأت مجرد الاقتراب من المحرمات، وعلى رأسها السجن السياسي، تعدياً على وجودها وهيبتها، وتالياً فضحاً لممارساتها... ولذلك، وحين كان يجري الحديث عن «شرق المتوسط» كانت كل دولة تنظر إلى الأخرى باعتبارها المعنية، أما هي فبريئة مما يقال. مع ان العثور على «شرق المتوسط» الرواية، في بعض الحالات، وفي أكثر الأماكن كان دليلاً جرمياً، وتالياً قرينة تدين من يُعثر عليها لديه! وهكذا ظلت «شرق المتوسط» تطبع وتقرأ عند تخوم اللون الأصفر، أي ليست رواية ممنوعة إلا في عدد من بلدان شرق المتوسط، وليست مسموحة إلا بمقدار في أغلب البلدان الأخرى، لأن التجربة أثبتت ان الكتب حين تمنع تصبح أكثر رواجاً، وبالتالي يقبل على قراءتها الكثيرون، أما السماح بالكتاب ضمن حدود وقيود، فيجعله موجوداً وغير موجود في آن واحد، مع فرض الحرم لكي يبقى الكتاب هكذا، أي عدم التعامل معه بأساليب وأشكال تتيح له أن يصبح مادة للدراسة، أو لأن يتحول إلى صيغ جديدة لكي يصل إلى جمهور أوسع. وهكذا ظلت «شرق المتوسط» تواصل رحلتها الخاصة، وقد استطاعت ان تفجر اللون الأصفر وتجعله يضيء الكثير مما حوله، وجعلت الكثيرين يقبلون على هذا اللون من الأدب. «شرق المتوسط» كما يقول مؤلفها استندت إلى نقطة أساسية هي: شرعة حقوق الإنسان، هذه الوثيقة التي مضى على إقرارها ومهرها بالتواقيع والمصادقات ما يزيد على خمسين سنة، ومع ذلك فإنها أكثر الوثائق التي تعرضت إلى التحدي والعبث والمخالفة، الأمر الذي يجعل الإنسان يتساءل: هل تم إقرار هذه الوثيقة لكي تتفنن كل دولة بمخالفتها؟ أو هل أن هذه الشرعة غير قابلة للتحقيق، خاصة في بلدان العالم الثالث، وتحديداً في بلدان شرق المتوسط، وبالتالي لابد من تجاوزها حكماً؟ ويخلص عبدالرحمن منيف في مقدمته التي مضى على كتابتها خمس سنوات تقريباً إلى أن ما نراه اليوم يتجاوز كل حد، ويفوق أي تصور أو وصف، لأن اختلاط المقاييس والألوان لا يقتصر على شرق المتوسط، إذ أصبحت سمة عالمية بعد أن رفع شعار النظام العالمي الجديد، بزعامة الولايات المتحدة، فالقاموس الأميركي هو الذي يعطي للتصرفات والأحداث والأشخاص والمواقف الصفات التي يجب أن تكونها. فالنضال المشروع ضد الظلم والقهر، سواء أكان ضد نظام أو حاكم، يأخذ أكثر من اسم وأكثر من صفة، تبعاً لمدى الفائدة أو الضرر الذي يعود على الولايات المتحدة ومصالحها، ولذلك اختلطت المفاهيم أكثر من السابق، وأصبحت للكلمات معانٍ متعددة. «شرق المتوسط» حين كتبت عام 1972 كانت تواجه خصماً محلياً، أما بعد ربع قرن (والحديث عام 1998) فإن ما يواجه الناس على أحواض كل البحار عدو يتصوّر أن القوة، والقوة وحدها، يمكن أن تحل جميع المشاكل، وعلى الناس في كل مكان أن يتحولوا الى عبيد مرة أخرى، أن يطيعوا ويمتثلوا لكل ما يراد أن يفرض عليهم. بعد «شرق المتوسط» والروايات الأولى التي أسست لأدب السجون، أصبح لهذا النوع من الأدب كُتَّابه وقراؤه ودارسوه، فرأينا العديد من الروايات التي عرّت الحياة ـ أو الموت إذا أردنا التعبير الأصح ـ داخل السجون، ونقلت لنا صوراً من الواقع يعجز الخيال عن تصورها. في رواية الطاهر بن جلّون «تلك العتمة الباهرة» صورة قاتمة لواحد من أشهر سجون شرق المتوسط، حيث قضى بطل الرواية ـ التي يقول مؤلفها إن كل أحداثها واقعية ـ عشرين عاماً في السجن الذي يصفه «عزيز» بالقبر في باطن الأرض الرطبة المفعمة برائحة الإنسان المفرغ من انسانيته بضربات معزقة تسلخ جلده، وتنتزع منه البصر والصوت والعقل «ولكن ما جدوى العقل، هنا حيث دُفِنّا، أقصد حيث وورينا تحت الأرض، وتُرك لنا ثقب لكفاف تنفسنا، لكي نحيا من الوقت، من الليالي، ما يفي للتكفير عن ذنبنا، وجُعل الموت في بطئه الرشيق موتاً متمادياً في تأنيه، مستنفداً كل وقت البشر، البشر الذين حللنا في نسيانهم التام. آه من البطء! أول أعدائنا». كانوا ثمانية وخمسين سجيناً مات أكثر من نصفهم. وقبل إطلاق سراحهم خضعوا لفترة من العلاج لإزالة ما يمكن إزالته من آثار السجن والتعذيب عنهم كي لا ينكشف الوجه القبيح للنظام أمام العالم. وللمرة الأولى منذ ثمانية عشر عاماً رأى «عزيز» وجهه في المرآة.. حدث ذلك في غرفة طبيب الأسنان.. يصف عزيز تلك اللحظة فيقول: «سوف يبقى ذلك اليوم يوماً تاريخياً في حياتي: ففيما كنت أستلقي على كرسي طبيب الأسنان المتحرك، أبصرت شخصاً ما فوقي. من كان ذلك الغريب الذي يحدق بي؟ كنت أرى وجهاً معلقاً بالسقف، يكشر حين أكشر، يقطب حين أقطب. كان يهزأ بي. لكن من يكون؟ كدت أصرخ لكني تمالكت نفسي. فمثل تلك التهيؤات معتادة في المعتقل، لكني هناك لم أكن معتقلاً. فكان عليّ أن أذعن لتلك البداهة المكدرة: إن ذلك الوجه، المفلّم، المجعوك، المخطط بالتجاعيد والغموض، المذعور، المرعب، كان وجهي أنا. وللمرة الأولى منذ ثمانية عشر عاماً أقف قبالة صورتي. أغمضت عينيّ. أحسست بالخوف. خفت من عينيّ الزائغتين، من تلك النظرة التي أفلتت بمشقة من الموت، من ذلك الوجه الذي شاخ وفقد سيماء انسانيته. حتى الطبيب لم يُخْفِ دهشته. قال لي بلطف: ـ أتريدني أن أغطي هذه المرآة؟ ـ لا شكراً. سيكون عليّ أن أعتاد هذا الوجه الذي حملته من دون أن أدرك كيف يتغيّر. بعد ذلك حينما قابله الطبيب النفساني قال له: ـ قيل لي إنك أصبت بصدمة عندما رأيت صورتك في المرآة عند طبيب الأسنان. هل هذا صحيح؟ ـ أجل صحيح. كانت نظرة جنون، في حين أني مازلت بكامل عقلي. كما انها نظرة الموت، في حين أني مازلت حياً... أشعر بالخوف، وأرى الخوف في نظرات الآخرين. ربما كان ينبغي أن أستعد لهذه الصدمة. لكني ذات يوم سأفعل. يقول عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»: «إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشيء عن جهل، وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن وهم التخاذل فقط، وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النبات وعلى وطن يألفون غيره في أيام، وخوفه على كل شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياة تعيسة فقط. كلما زاد المستبد ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى من هواجسه وخيالاته». وكلما زاد عدد السجون سجناً في وطن ما، ظفرنا نحن برواية جديدة وازدهر نوع مختلف من الأدب.. ولكن ما الذي يحدث عندما يتحول وطن بكامله إلى سجن كبير؟ حينها تتحول الأقلام إلى عصافير محبوسة داخل أقفاصها.. فهل رأيتم ـ بربكم ـ عصفوراً يغرد سعيداً داخل قفص؟!