الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 هل بات من المؤكد بشواهد عملية متزايدة ان الزعيم الالماني غيرهارد شرويدر اصبح اليوم «قومياً عربياً» اكثر من ابناء أمة العرب انفسهم؟! في الاسبوع الماضي اعلن شرويدر ان قضية الشرق الاوسط «اي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي» يجب ان تكون لها الاولوية على المسألة العراقية ويوم الخميس الماضي اعلن في البرلمان الالماني ان مسألة اسلحة الدمار الشامل لا تنحصر في العراق وحده.. واستناداً الى هذه الملاحظة طالب باخلاء منطقة الشرق الاوسط كلها من هذه الاسلحة. ورغم انه لم يستعمل كلمة «اسرائيل» إلا ان الاشارة كانت واضحة بما يكفي. لقد قال شرويدر ان «تدمير جميع القدرات على انتاج اسلحة دمار شامل في العراق ليس سوى مرحلة اولى نحو اقامة منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في مجمل المنطقة» وطالب ايضا برقابة دائمة لنزع الاسلحة في المنطقة، وفي شرحه لهذه النقطة قال شرويدر ان المانيا تعمل مع فرنسا وشركاء آخرين بشأن اقتراحات تتضمن فرض رقابة دائمة على المنشآت العسكرية ومراقبة تجارة «السلع الخطيرة». «السلع الخطيرة» هي بطبيعة الحال، واستنباطا من السياق العام لحديث الزعيم الالماني اشارة الى البلوتونيوم المخصب الذي يشكل المادة الخام الاساسية والجوهرية لصنع اسلحة نووية و«المنشآت العسكرية» اشارة الى مصانع انتاج الاسلحة النووية والكيماوية والجرثومية، وعندما يطالب شرويدر بفرض «رقابة دائمة» على هذه «السلع» وهذه «المنشآت» فإن اشارته تتضمن شحنات البلوتونيوم المنتظمة التي تتلقاها اسرائيل من الولايات المتحدة بقدر ما تتضمن منشأة «ديمونة» النووية في اسرائيل وما يتبعها من مصانع لاسلحة الدمار الشامل الاخرى.. وكلها تعتمد على امدادات من الشريك الاستراتيجي الاميركي. لقد اعلن شرويدر واعلن معه البرلمان الالماني بصوت واحد «لا للحرب في العراق» ومطالبته الضمنية باخضاع ترسانة الدمار الشامل الاسرائيلية للتفتيش الدولي على غرار ما يجري للعراق تدخل ضمن سياق الجهود الالمانية الجادة من اجل منع الحرب الاميركية على العراق. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا لا تتخذ الدول العربية موقفا مشابها في حزمه تجاه الولايات المتحدة؟ لماذا لا تقول الدول العربية لادارة بوش: «حسنا.. نحن نوافق على اخضاع العراق لعملية تفتيش دولي شاملة.. بل ونحث السلطات العراقية على التعاون لاقصى درجة مع مفتشي الاسلحة. لكننا نطالب في الوقت نفسه باخضاع اسرائيل لعملية تفتيش مماثلة لاخلاء منطقة الشرق الاوسط كلها من اسلحة الدمار الشامل»؟! على ان الزعيم الالماني شرويدر لم يكتف بالمقارنة بين الاستهداف الاميركي الانتقائي للعراق مع تجاهل اسرائيل. لقد عقد شرويدر مقارنة اخرى بين حالة العراق وحالة كوريا الشمالية.. فقال انه لا يفهم الاختلاف الاميركي في التعامل مع كل من الحالتين. وقال ان كوريا الشمالية التي يتزعمها دكتاتور وتمتلك رؤوساً نووية وانها طردت المفتشين الدوليين.. ورغم ذلك فإن واشنطن تطرح عليها «اجراء حوار» اما العراق، وان كان يحكمه دكتاتور فهو بالعكس لا يملك اسلحة نووية ولا صواريخ بعيدة المدى لكن مع ذلك فإنه، عوضاً عن حوار سلمي، يواجه بحرب شاملة وماحقة. ازاء هذا الدفاع عن دولة عربية مستهدفة باعتداء.. دفاع على لسان زعيم اوروبي من اجل منع وقوع حرب لا نسمع من العواصم العربية إلا تبريرات غير مباشرة للحرب. فالحرب «حتمية» كما يقال لنا.. ولا احد يستطيع منعها.. والعراق وحده يتحمل مسئولية ما سوف يقع عليه. لا نسمع احتجاجاً على الحرب ولا انتقادا الى واشنطن ولا اي اشارة الى الترسانة الاسرائيلية ولا أي مقارنة مع الحالة الكورية. وبالطبع لا نقول ان غيرهارد شرويدر «فاعل خير». ان شرويدر ببساطة يعبر عن الرؤية الوطنية المستقلة للامة الالمانية تجاه العالم من خلال مصالحها الحيوية الفورية أو على المدى البعيد في مواجهة قوة عظمى تسعى لفرض هيمنة على العالم قاطبة. النظام الرسمي العربي لا يمتلك مثل هذه الرؤية. لكن الآن وبعد ان كشفت ادارة بوش اجندتها الخفية بشأن مستقبل العراق فإنه لم يعد متاحاً للنظام العربي مواصلة تبرير شجبه المفتعل للعراق بشأن «ضرورة التعاون» مع عملية التفتيش. فقد اعلنت الادارة الاميركية على لسان وزير الخارجية كولن باول انها تهدف من وراء اشعال الحرب الى اخضاع العراق لاحتلال عسكري وحكم اجنبي لاجل غير مسمى. ومع الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية سيأتي الاحتلال الاميركي للارض العراقية، ليثبت اننا معشر العرب أمة فقدت ظلها.