الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 من بعد ما كانت الطاقة تشكل في قديم الزمان عاملاً اقتصادياً ومالياً وصناعياً مهماً وحسب، اصبح لها في وقت لاحق معنى سياسي واضح بدأت تتضح ملامحه منذ الحظر البترولي الذي فرضه العرب عقب حرب اكتوبر لعام 1973، وادى الى عواقب تحملت اوزارها الدول الغربية، ثم اتسع هذا المعنى عقد احتلال العراق للكويت، وهي الدولة الغنية بالنفط، وما تلا ذلك من حرب شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في عام 1991 لحماية المصالح البترولية. ويعود النفط الآن مرة اخرى ليحتل مركز الصدارة في واجهة الاحداث، نظراً لشيوع اعتقاد بأنه يشكل احد الدوافع المهمة وراء الضربة العسكرية التي قد توجهها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق الذي يملك ثاني اكبر احتياطي بترولي في العالم بعد المملكة العربية السعودية التي تملك الريادة والأولوية في هذا المجال. ولسنا هنا بصدد تحليل الأسباب الحقيقية الكامنة في خلفية ما قد يتوقع حدوثه، سواء كانت تتعلق بالنفط ام بالارهاب ام بالأسلحة المحظورة دولياً ام بخدمة مصالح اسرائيل، ام بالقضاء على الدكتاتوريات واحلال الديمقراطية، ام باعادة الهيكلة السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية لمنطقة الشرق الاوسط، ام بغير ذلك، ولكننا سنركز اهتمامنا على الدور الواسع الذي تؤديه الطاقة في الحياة البشرية، وعلى مختلف الصعد البيئية والاقتصادية وكذلك السياسية، ولا شك ان النفط يحتل مكانة خاصة استثنائية، بالنسبة لدول الخليج العربية، لأنه يشكل مصدر دخل اساسياً لها. ونظراً لكونه ثروة غير قابلة للتجديد وآخذة بالنضوب، عاماً بعد عام، فإن هذا يوجب عليها الاستعداد منذ الآن واتخاذ الاحتياطات اللازمة بما في ذلك استخدام قسم كبير من دخولها البترولية في اقامة مشروعات تنموية وصناعات قابلة للتطوير، حتى يصبح مردودها المستقبلي بديلاً عن العائدات الحالية التي يتوقع انخفاضها بعد عقود قليلة وحتى نأخذ فكرة عن مثل هذه الامور، دعنا نقف عند بعض محطات كتاب صدر في الولايات المتحدة باللغة الانجليزية بعنوان (The Poverty of Power) اي (النقص في الطاقة) وهو يعالج مسألة الطاقة من خلال الربط بينها وبين المشكلات الاخرى، فهي في نظر مؤلفه باري كومونر، ليست قضية مستقلة قائمة بذاتها، وانما هي مظهر من مظاهر الخلل في النظم الاقتصادية والانتاجية والايكولوغية وغيرها. ولابد من تصميم طرق جديدة تقضي على هذا الخلل المسئول، ليس عن سوء استعمال الطاقة وفقرها فحسب، وانما عن كثير من الازمات الشائكة مثل تلوث البيئة والبطالة والتضخم واستنزاف رأس المال والكساد الاقتصادي وغيرها، لقد كان الاعتقاد السائد في الماضي ان هذه جميعها ازمات مستقلة عن بعضها بعضاً، وان كلاً منها يمكن ان تحل على حدة بمعزل عن الاخرى. ولكن الكتاب يذهب مذهباً آخر ويرى ان من الخطأ التصور اننا نستطيع ببساطة معالجة التدهور البيئي بضبط التلوث، او مكافحة أزمة الطاقة بايجاد مصادر بديلة لها، او مواجهة الكساد الاقتصادي بحل قضايا الاسعار والضرائب ونسب الفوائد والاستثمارات.. الخ، وذلك لأن كل جهد يبذل لمعالجة مشكلة ما يبدو متعارضاً مع حل المشكلات الاخرى: فضبط التلوث يتم على حساب الحد من استخدام الطاقة، كما ان حفظ الطاقة يكلف نفقات تؤدي الى تفاقم الأزمة الاقتصادية.. وهكذا، فلابد والحال كذلك من ان يكون انصار حل ما، خصوماً للحلول الاخرى. ان الحقيقة الأساسية التي يمحور باري كومونر افكار كتابه حولها هي ان ما يواجه دول العالم بعامة، ليس سلسلة من الأزمات المنفصلة، وانما خلل واحد او خطأ مشترك يتحكم بانتاج الثروات وتوزيعها واستعمالها، وتؤدي الطاقة، وهي محور الكتاب الأساسي، دوراً حاسماً في العلاقات المتبادلة بين النظم الكونية، كما ان الاستعمال المكثف لها هو الذي ادى الى زيادة الانتاج. ولكنه في الوقت نفسه اسفر عن نقص توافرها، وكذلك عن تلويث البيئة، بالاضافة الى البطالة ونقص رأسمال. النقطة الأساسية اذ ان ازمة الطاقة ليست منفصلة عن نقائص النظام الاقتصادي ككل. واذا امكن فهم هذه النقائص سيكون بالوسع الخروج من هوة الأزمة الطاقية والاقتصادية التي تعاني منها كثير من دول العالم. ولسوء الحظ ان هذا الفهم لم يتحقق حتى الآن. فلعدة سنوات ظلت معظم الدول تستخدم الطاقة وكأنها مصدر حر متوافر بشكل بديهي، توافر الماء والهواء، وقد اكتشف الجميع فجأة ان توافر الطاقة ليس، كما توهموا، شيئاً مفروغاً منه، وان نقصها يمثل مشكلة جسيمة تؤثر في كل جانب من جوانب الحياة. وفي اواخر السبعينيات كانت الطاقة قد اثارت مشكلات كثيرة كالكساد الاقتصادي والمواجهة المريرة بين الكونغرس والرئيس السابق كارتر، كما انها ادت الى تغيير العلاقات السياسية بين الدول الصناعية والدول النامية. ويشير المؤلف الى ان نقص الطاقة يجبر الدول المستهلكة لها بكثرة على طرق ابواب اختيارات طالما تجنبتها لفترة طويلة: فإما التخلي عن مصادر الطاقة الحالية والعثور على مصادر جديدة لها قابلة للتجديد، او تحديد استهلاكها بطرق عديدة كوضع حد لاستبدال القوة العاملة البشرية بها. ويتعرض الكتاب بإفاضة الى الآثار التي خلفها الحظر البترولي العربي عام 1973 ويعترف بأن هذا الحظر ادى الى نقص المنتجات النفطية وارتفاع اسعارها واسعار المواد الكيميائية المصنوعة منها كالأسمدة ومبيدات الحشرات، فكسد بيع السيارات، وتراجعت صناعتها، وقفزت اثمان المواد الغذائية نتيجة لارتفاع اسعار الكيميائيات الزراعية، ثم تحولت مشكلة الطاقة الى مشكلة تضخم، وبطالة، فاستغلت بعض الشركات نقص البترول، للاحتكار وجني الارباح الفاحشة، ومن الحقائق المهمة التي وردت في هذا الفصل ان التقديرات تشير الى ان احتياطي البترول الموجود حالياً في العالم قد لا يكفي لسد الاحتياجات النفطية لأكثر من ثلاثين عاماً مقبلة. وهذه الحقيقة ذات مغزى خاص بالنسبة للدول المنتجة للنفط التي عليها ان تستعد لهذا الاحتمال منذ الآن وان تعمل على تنويع مصادر دخلها والتوجه نحو صناعات جديدة. يتبين لنا مما سبق ان الطاقة تشكل عصب الصناعة والاقتصاد وشريان الحياة اليومية للانسان. وهي ثروة عظيمة يفترض ان تجلب الخير العميم لمن يملكها. ولكن للأسف، فإن المصالح السياسية للدول الكبرى قادرة على تحويل هذا الخير الى شر، وذلك نتيجة لسعيها الى بسط سيطرتها العسكرية او السياسية او الاقتصادية على المناطق الغنية بمصادر الطاقة، فهل هناك من سبيل امام العرب كي يتصرفوا بحكمة تجعل الدول الكبرى تتودد اليهم وتحاول استرضاءهم من اجل نيل مصالحها البترولية، بدلاً من استخدام القوة ضدهم لتحقيق الهدف المشار اليه؟ سؤال تحتاج الاجابة عنه الى بحوث ودراسات سياسية لا حصر لها. ـ كاتب سوري