الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 «والله لو فعلها ابن الاصفر لوضعت يدي بيد معاوية» هذا الكلام منسوب للأمام علي كرم الله وجهه والذي يقال انه قاله عندما سمع ان حاكم الروم «ابن الاصفر» كان بصدد تهديد الدولة الاسلامية أو غزوها في وقت اشتداد الخلاف بينه وبين معاوية. وقد ترددت كثيراً في الاستشهاد به، وفيما اذا كان يصلح اصلاً على الحالة العراقية الراهنة وهي تنتظر احتمال اندلاع الحرب عليها. لكن سماعي آية الله الشيخ محمد التسخيري يقرأ هذا الحديث من على منبر الجنادرية «في الرياض» مؤخراً مطالباً المسلمين عموماً بفك الاشتباك فيما بينهم والتنادي الى «مصالحات» عامة وشاملة متوجهين الى التحدي الاكبر الذي يريد الشر والاذى بكل طوائف المسلمين وفئاتهم وطبقاتهم حاكمين ومحكومين، ومن ثم سماعي لنبأ دعوة حسن نصر الله الامين العام لحزب الله لما سماه «بطائف العراق» أو «المصالحة» الداخلية العراقية، انما جعلتني اقرب الى تصديق مضمون هذا الأثر رغم قول البعض بضعفه وربما بعدم صحته. ورغم انني اعرف جيداً بأنه ليس هناك ما يجمع بين الشيخ التسخيري وحسن نصر الله وغيرهما بخصوص القراءة المشتركة لنظام صدام حسين وخريطة المعارضة العراقية، إلا ان القدر المتيقن من رؤيتهم السياسية المشتركة هو القراءة والملامسة للواقع الى حد كبير للحظة العقلانية التاريخية التي يمر بها العالم لاسيما منطقتنا الاسلامية والعربية منها على الخصوص وهي النظرة او بتعبير ادق «تقدير الموقف» الذي يشترك فيه معهم الكثير من العلماء والمفكرين والمثقفين والادباء واصحاب الرأي على امتداد الوطن الاسلامي الكبير وقد يكون اية الله محمد حسين فضل الله والامام الخالصي «العراق» اشهر المعنيين بهذا الملف. وليعذرني الاخوة السادة والمشايخ العلماء ممن يحرصون بالتأكيد على عدم رغبتهم في ان يحشروا مع من تطاردهم «لعنة الارهاب» لكنني هنا لست بصدد تصنيف الناس لا بالمذهب ولا بالاصول ولا بالفكر بقدر ما انا بصدد الحديث عن «تقدير الموقف» السياسي بشأن اللحظة التاريخية التي نمر بها. لا بل انهم سيفاجأون عندما يكتشفون ويكتشف معهم معارضوهم بأن من بين من يمكن ان يحشرون معه او يحشر معهم في تقدير الموقف، هذا مطرب ايراني مشهور مثلاً يقيم في الولايات المتحدة الاميركية منذ قيام الثورة الاسلامية وهو معارض شديد لها لكنه اصدر بياناً مؤخراً «على الانترنت» يهاجم فيه جماعة الشاه البائد بكل شدة، ويتهمهم فيما يتهمهم فيه بأنهم «يفتقرون حتى لذرة من الوطنية الحقة أو حب الوطن وإلا لماذا وكيف وما هو المبرر الذي جعلهم يسكتون عن عسكرة المنطقة برجال القمع الاميركيين والبريطانيين خلافاً لارادة اهلها وشعوبها المختلفة التي تريد التنمية والحياة المستقرة والهادئة والسلام ونبذ الحروب والعنف؟!» كما جاءت في كلمة المطرب الايراني ابراهيم حامدي المعروف ب«أبي» بائس ريتشارد باوتشر هذا عندما يظن انه «عثر على الحقيقة الضائعة!» بقوله: ألم نقل لكم ان هناك قضية مشتركة بين بن لادن وصدام حسين!! لكن ريتشارد باوتشر هذا ومثله رئيس الدبلوماسية في بلاده نسوا او يتناسون بأن هذه القضية المشتركة موجودة بين عشرات الألوف ان لم يكونوا مئات الالوف بل والملايين و«بين صدام حسين» ألا وهي «الضديّة» لاميركا والسبب هيمنتها السياسية والاملائية المتغطرسة، وهي بالمناسبة ليست لا من قريب ولا من بعيد مع صدام حسين أو نظامه أو سياساته وبالتأكيد ليست ضد امال الشعب العراقي الشريف والمظلوم والمضطهد والمقموع من جانب صدام حسين منذ نحو 35 عاماً على مرأى ومسمع وبدعم واسناد الادارات الاميركية المتتالية. من حق المعارضة العراقية الشريفة والمخلصة والصادقة واكثرها يحمل هذه الصفات الوطنية ممهرة بالدم ان لا تثق بصدام حسين وبنظامه خاصة وانه لم يقدم حتى الآن اية بادرة حسن نية تجاهها لا من قريب ولا من بعيد. لكن ليس من حقها ان تخون أو تسفّه كل من خالفها في «تقدير الموقف» ورأى مثلاً ان الخطر الاعظم هو في التواجد العسكري الاجنبي والذي هو اخطر من اسلحة الدمار الشامل العراقية كما قال هاشمي رفسنجاني مثلا او من رأى ان من يعين اميركا اليوم انما يعينها على فلسطين وسوريا ولبنان وايران ومصر والعالم الاسلامي ومقدرات العراق وليس ضد صدام حسين. ثمة من يعتقد ومنهم حسن نصر الله كما اظن ـ والله اعلم ـ ان من يقف بحزم وباستراتيجية واضحة ضد اميركا اليوم هو وحده القادر على اسقاط صدام حسين باقل التكاليف على شعب العراق والامة بشكل عام. وثمة من يعتقد ومنهم حسن نصر الله كما اظن بأن اميركا ليست بصدد «اطفاء الحرائق في المنطقة» كما يظن البعض خطأ، بل هي بصدد حروب اخرى متنقلة ولكن من نوع جديد لن تكون ضحاياها وخسائرها اقل مما فعله صدام حسين في الـ 35 سنة الماضية على اهل العراق وغير اهل العراق، بل ان اهل العراق سيكونون اكثر المتضررين منها وقبل غيرهم. من حق المعارضة العراقية ان تقول بأنه لا حول لها ولا قوة في تغيير النظام العراقي الراهن لوحدها وباسلوب ديمقراطي وسلمي وحضاري بسبب ما تقول انه نتاج تركها لوحدها تعاني الامرين على مدى 35 عاماً دون نصير عربي ولا اسلامي. ولكن ليس من حقها ان تجعل من ذلك سبباً لاستدعاء الاجنبي ليفعل ما يشاء بالعراق والمنطقة!! المهم ان يسقط نظام صدام حسين وبأي ثمن كان!! تصوروا لو ان كل معارضات المنطقة واغلبها يعاني من نفس المنطق «العاجز» قررت استدعاء الحلفاء لاسقاط انظمتها! هل يبقى حجر على حجر في المنطقة؟! ثم الاهم من ذلك هل سيتم تسليم أي منها زمام أمور بلادها بعد «التحرير»؟!! ثمة من يذكر هنا ايضا بأن هناك فرقاً شاسعاً وجلياً بين مقاتلة الاجنبي الغازي المحتل والغاصب للارض وقواعد العمل والممارسة السياسية كما هي الحالة في فلسطين وبين مقاتلة الحاكم الظالم والمستبد والفرق هنا لا يتعلق بتقييم شخصية الحاكم كما يحاول اخواننا العراقيون دوما عندما نسمعهم يصرخون بأنه اسوأ من شارون.. الخ. بل ان الامر يخص مجموعة من قواعد العمل السياسي والكفاحي تتطلب فيما تتطلب بأنك في حالة الكفاح ضد الحاكم الظالم غير مسموح لك بالاضرار لا بالبنية التحتية لبلادك ولا ازهاق ارواح الجنود والضباط ولا رجال الامن و.. الخ وهو ما كان يرفضه بتاتاً رجل مثل الامام الخميني مثلاً، بينما القاعدة مع الغازي والمحتل هي: «اقتلوهم حيث ثقفتموهم..» وهي بالمناسبة بند من بنود «حلف الاطلسي» في حربه ضد اعدائه ايضا. وعود على بدء اقول: اذا كان من حق ابناء العراق ان يقرروا مصير بلادهم بأنفسهم، وانهم احرار في هذا الخيار باعتبار ان كلمة الفصل لهم وحدهم في النهاية رضي بذلك أم لم يرض من قد يختلف معهم في الرأي حول الخيارات إلا انه ليس من حقهم والاهم من ذلك ليس من مصلحتهم ولا صالح قضيتهم حتى لو اعتبرناها «عراقوية» محضة لا تريد فلسطين ولا العروبة ولا الاسلام ان يعادوا ويسبوا ويلعنوا ويفسقوا ويخونوا كل من يختلف معهم والاهم من كل ذلك ان يضعوه في صف صدام حسين فقط وفقط لانه لا يقبل بالخيار الاميركي للعراق!! ان اخوانكم في الدين او العروبة او الانسانية والذين باتوا يشكلون جبهة عالمية ضد الحرب انما يبحثون عن طريق ثالث للخلاص ليس فيه «فرعنة» بوش ولا «طغيان» صدام حسين. والنوايا الطيبة والقضية العادلة هنا لا تكفي. المطلوب محام قدير وكفؤ يحمل اكبر قدر من اجماع اهل الارض الذين تهددهم الحرب القذرة على الموارد. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني