الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 حروب دبلوماسية عديدة تلتهب جبهاتها على محاور عدة، كلها داخل ميدان رمي النار الأميركية العراقية. مقاتلون في كامل أناقتهم وبارعون يستعرضون مهارات مصقولة في اصابة الأهداف وتبادل الطلقات المميتة. التهديدات الأميركية الرعناء عجّلت الصيف. العالم صار ساخناً. وحدهم العرب يغمسون أياديهم في القطبين المتجمدين. رغم تواجدهم الجيوبوليتيكي داخل مرمى النار الأميركية، قرر القادة النظر في أمر الحرب الاسبوع التالي. أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً. الغطرسة الأميركية جعلت السحر ينقلب على الساحر. الحرب الأميركية تحولت الى كرة من نار طالت ألسنتها مناطق عدة قبل ضرب العراق. المبارزة الدائرة على مستوى وزراء الخارجية فتنت الجمهور. قاعة مجلس الأمن كانت مساء الجمعة أشبه بحلبة ملاكمة أو مصارعة لذوي الوزن السياسي الثقيل. المتحدثون وضعوا كل الأوراق مكشوفة على الطاولة. معركة مفتوحة تحت الأضواء وعلى الهواء مباشرة على كل المحاور. جولة للمصالح الوطنية. جولة للمنظمة الدولية، جولة للقيم النبيلة. جلسة مجلس الأمن المنقولة عبر الفضائيات اختزلت كل الحروب المفتوحة على مرمى النار الأميركية. هناك حروب مصالح حقيقية تحرك القوى الدولية على حافة الحرب العراقية إذ تتشابك الأهداف المعلنة والأطماع الخفية للدول الكبرى. على ساحة الشرق الأوسط التي تحتل موقع القلب من خارطة العالم الجغرافية، السياسية والاقتصادية تتقاطع مصالح الجميع. بعض القوى لديها مصالح مبيتة غير مشروعة. لدى العرب بالطبع مصالح تتقاطع مع مصالح الآخرين. بعض مصالحنا تتلاقى ومصالح الاخرين أحياناً. ثمة حرب مستعرة داخل الناتو. ألمانيا وفرنسا تنهضان في وجه الهيمنة الأميركية على قرار المنظمة الاقليمية. باريس وبرلين تحاولان استنفار أوروبا للدفاع عن حق أوروبا في قرارها السيادي. تلك معركة باتت معروفة في صراع الارادات الذي يدور على حافة ميدان الحرب الأميركية ـ العراقية. أكثر جاذبية تلك المعركة الساخنة التي تدور بين أميركا وبعض حليفاتها الأوروبية ومحورها العراقة والحداثة. بعد زلة اللسان التي صدرت عن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي التي وصف فيها فرنسا بأنها عجوز قديم انفتحت حرب هوية بين ضفتي الأطلسي. وزير الخارجية الفرنسي فتح النار على رامسفيلد ذي القسمات القاسية في أكثر من مناسبة دون أن يسميه. هكذا فتحت الإدارة الأميركية حرب ثقافة. وزير الدفاع الذي يمثل أحد أكثر الصقور في إدارة بوش شراسة بدا كمن يجهل أن أميركا بكل عظمتها ليست سوى صنيعة المهاجرين من تلك القارة العجوز. حرب الكلام المتصاعدة على ضفتي الأطلسي لا تمثل فقط تبايناً في الرؤى الدبلوماسية والسياسية بين واشنطن من جهة والعواصم الأوروبية على الجانب الآخر بل اكتست المعركة في بعض أبعادها طابع صراع الحضارات في صيغة ممارسات رعاة البقر وساسة ينحدرون من تراث حضاري ثري. في أتون الصراع رفع الأوروبيون شعارات القيم الإنسانية النبيلة باعتبارهم أنصار سلام وتركوا للأميركيين دور دعاة الحرب فبدت هناك معركة جوهرية بين نهجين سياسيين أمام العالم قاطبة. فرنسا مهددة بحرب اقتصادية أميركية بدأت طلائعها بفرض حظر على النبيذ. في سبيل التماهي داخل ثوب الحضارة والقيم النبيلة اكتسى الموقف الأوروبي بالدفاع عن المنظمة الدولية باعتبارها منبراً لتثبيت السلم العالمي، في وقت يسعى رعاة البقر الى جعلها مظلة لشرعنة إطلاق طبول الحرب. مع ان الشعر ركيزة الحضارة العربية إلا ان حرب الشعر التي صاحبت حرب العراق كانت في البيت الأبيض، حيث شن شعراء أميركا هجوماً مموسقاً ضد الحرب مما اضطر لورا بوش الى الغاء حفل شعري في مقر الرئاسة الأميركية. كل هذه الحروب تدور على هامش حرب مدمرة تستهدف المنطقة العربية لكن العرب غير معنيين بالجوهرية والهامشية. لا أعتقد ان قمة شرم الشيخ ستعيننا على ولوج حلبة أي من تلك المعارك. ربما. أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي مطلقاً