السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 مثلما فضحت أزمة العراق النظام الرسمي العربي، وكشفت عجزه التام، فإنها فضحت ايضا عجز النخبة العربية بكل تياراتها السياسية «الاسلامي ـ القومي ـ الماركسي ـ الليبرالي». واكدت الازمة ان العجز العربي شامل: شعبياً ورسمياً. واذا كان مفهوما ان يرد النظام الرسمي عجزه الى اسباب «غير مقنعة» مثل طبيعة موازين القوى الدولية وعدم القدرة على تحدي نظام القطب الواحد، فليس مستساغاً للنخبة ان ترد عجزها الى نفس الاسباب، لان النخبة مسئولة بذاتها عن جانب كبير من ازمتها، تلك الازمة التي انعكست على الشارع العربي بالعجز عن اداء دوره الوطني. واذا حاولنا الاقتراب من الواقع الذي آل اليه حال النخبة العربية، فسوف نجد انها جميعا تشترك في المسئولية عن الازمة التي تعيشها وتعاني منها ويمكن رصد تلك الازمة على ثلاثة مستويات. ـ المستوى الذاتي، اي تلك العلاقة التي تحكم دواخل كل تيار ومدى تفاعل تيارات النخبة فيما بينها. ـ مستوى العلاقة مع السلطة. ـ مستوى العلاقة مع الشارع العربي. وعلى صعيد الازمة الذاتية فقد عانت النخبة ولاتزال من امراض متعددة في مقدمتها الانشطار المؤدي الى التشتت والتناحر، وذلك قائم على صعيد كل تيار منفردا، وكذلك على صعيد العلاقة التي تربط تكوينات كل تيار بغيره من التيارات. فالاسلاميون ـ على سبيل المثال ـ وهم احد اهم التيارات السياسية العربية، تكاد اهدافهم جميعا تتطابق تجاه مختلف القضايا، إلا انهم عجزوا ـ نظراً للخلاف حول الوسائل ـ عن خلق بناء تنظيمي واحد يجمعهم سواء داخل القطر الواحد او على المستوى العروبي. وكذلك كان حال القوميين، وحال الليبراليين والماركسيين، والاخيرين الأقل وزنا في الساحة العربية. فكل فصيل زعم لنفسه احتكار الفكرة والحكمة وشحذ اسلحته ضد الآخر، وكان ذلك احيانا دون ضرورة. يضاف الى ذلك ايضا حرق النخبة نفسها وعقلها في قضايا لا تهم الشارع احيانا والاستغراق فيها بما اعجزها عن اقناع هذا الشارع بها مما زاد من انعزالها. كما مثل ميل بعض تيارات النخبة للاختراق الداخلي «أمنياً» والخارجي «فكرياً» وتقبلها لمثل هذا الاختراق عامل ضعف دائم. وازداد تأزم النخبة مع انتشار ظاهرة الانقلاب المفاجيء تجاه الافكار التي كانت تنادي بها وتتحمس لها وتحاول حشد الشارع من اجلها. وفي المحصلة أسفرت الايام عن فشل شامل عن طرح أي مشروع وطني أو قومي يمكن حشد الجماهير من اجله، واذا طبقنا ذلك على صعيد الازمة العراقية نجد ان تحركات النخبة العربية كانت محددة وضئيلة وغير ذات وزن يعتد به، بينما كان ـ ولايزال ـ النشطاء في اوروبا وغيرها ينظمون المسيرات الحاشدة احتجاجاً على الحرب، سعى كل تيار من تيارات النخبة الى التحرك منفرداً في مسيرات لم يتعد حجمها مئات الاشخاص ولاتزال تيارات النخبة عاجزة عن تنظيم تحرك جماعي حاشد يؤثر في سياسات السلطة او يرهب الولايات المتحدة لتعيد الفكرة في مخططاتها. ولو عدنا الى ما شهدته مقدمات حرب الخليج الثانية عام 1991 لوجدنا ان تحركات النخبة العربية أو بعض تياراتها كانت اكثر زخماً وثراءً رغم صعوبة المناخ آنذاك مقارنة بالازمة الحالية، وكلنا يذكر ـ مثلا ـ نجاح القوى الاسلامية العربية في تشكيل وفد موحد جاب الرياض وبغداد وعمان ودمشق وكذلك فعل القوميون. وهو ما لم يحدث هذه الايام مما يؤشر لمزيد من التراجع في دور النخبة العربية التي اكتفت باصدار البيانات وجمع التوقيعات وهذا بحد ذاته غير كاف. وعلى مستوى العلاقة بين السلطة والنخبة يمكن الجزم ان ازمة النخبة كانت اعمق وأسوأ، فالسلطة استطاعت التلاعب بكل التيارات مجتمعة ومنفردة، ونجحت في تشتيت صفوفها. وبشكل عام اتسمت العلاقة بين الطرفين باستقواء السلطة على الجميع، لادراك السلطة واجهزتها مدى ضعف كل تيار على حدة أو مدى قوة هذه التيارات مجتمعة، وهو ما مكنها من التلاعب بأي تيار وبكل التيارات، ومن فترة لاخرى احتضنت السلطة البعض ونكلت بالبعض الآخر، واستخدمت كل تيار لضرب التيار الآخر او التيارات الاخرى، فمثلا قربت الاسلاميين خلال السبعينيات لضرب القوميين والماركسيين. وادى الاسلاميون دورهم باقتدار وكفاءة، لانهم اعتبروا ذلك جهادا ضد خصوم وفي الوقت نفسه يحقق مصلحة تيارهم، مما ادى الى تأزم العلاقات بين هذه التيارات. ومع استشعار السلطة لخطورة الاسلاميين عليها، بدأت في ضربهم ومطاردتهم بكل الوسائل فيما تحالفت السلطة مؤخراً «في بعض الدول» مع الماركسيين الذين فضلوا الثأر لانفسهم من الاسلاميين اذ وجد هؤلاء الماركسيون في هذا التقارب فرصة للنيل من خصوم الامس ودوراً جديداً لهم بعد انهيار الموجه والمرجع الفكري. وهذا التحالف الماركسي مع السلطة يحدث ويزداد قوة فيما لم يطرأ على السلطة اي تغيير جوهري يشرع هذا التحالف ويبرره «فكريا على الاقل»، فالسلطة العربية التي كان يقاومها الماركسيون ازدادت تبعية للغرب، وتتبنى سياسات كان الماركسيون انفسهم يناهضونها على مدى عقود، وهو ما يعني ان هذا التحالف يقوم فقط على اسس برجماتية مصلحية ترتفع فيها المصالح الخاصة للتيار وبعض افراده على المصالح الوطنية. وينطبق ذلك ايضا على التيار الليبرالي ايضا رغم مبررات قوانين السوق، فاللبيراليون يفتقدون الى الارضية الجماهيرية وليس لهم اي سند شعبي، وهم في ذلك مثل الماركسيين الذين تآكلت قاعدتهم الشعبية الى حدود التلاشي. ويبقى رهان الشارع العربي على التيارين الاسلامي والقومي، فقد اثبتت مجريات الاحداث منذ حرب الخليج الثانية 1991 ان التيارين يزدادان اقترابا وان لم يصلا بعد الى حدود التفاهم والتعاون، وربما تؤدي الاخطار الخارجية بالتيارين الى الوصول لهذا الهدف مستقبلا. ولاشك ان علاقة النخبة مع السلطة بكل متغيراتها انعكست سلباً على الشارع، وهو المستوى الثالث لأزمة النخبة، خاصة وان السلطة حرصت على اضعاف النخبة والنيل دوما من مصداقيتها عبر وسائل كثيرة منها تشويه اي تيار يحظى بالتعاطف الشعبي، وتراوح ذلك ما بين اتهام الماركسيين بالخروج على الدين واتهام الاسلاميين بالتطرف والارهاب. وكثيراً ما استشعر رجل الشارع ان النخبة لا تستحق ثقته خاصة عندما شارك بعض افرادها وتياراتها في سلبه كثيراً من حقوقه، فرجل الشارع شعر ان النخبة خانته وباعته الى السلطة بلا ثمن فهي لم تدافع عنه عندما حرم من حقوقه في العلاج والتعليم والتوظيف والمأوى، بينما كانت بعض قطاعات أو افراد النخبة في المقابل تلهث دفاعا عن مصالحها الذاتية والتي حصلت عليها بطرق غير مشروعة. وكان من الطبيعي ان تؤدي هذه المقدمات الى نتائج مشابهة اذ انفرد رجل الشارع بهمومه الشخصية بعيداً عن النخبة والسلطة وصب جل اهتمامه على محاولة توفير الحد الادنى من متطلبات المعيشة وصار هذا الهم هو هدفه «الاستراتيجي». فالمواطن العربي يدرك جيدا انه مسلوب الحقوق ومبعد باتفاق ـ غير معلن ـ بين السلطة والنخبة عن قضايا الوطن والعمل العام، ولذا فعندما يدعى من النخبة الى تحرك ما من اجل اي قضية عامة يجد نفسه في مأزق فهو غارق في معاناته اليومية، كما انه لم يألف العمل العام، ولم يتدرب عليه، ولا يدري ما اذا كان سيغضب السلطة أم يرضيها فيما يفعله، وفي ظل عدم المام بالخريطة السياسية المدعو للتحرك في ظلها، يكون الاسلم ـ من وجهة نظره ـ تجنب هذا المنزلق. ومن الطبيعي ألا تجد اصوات النخبة اي استجابة عندما تدعو الشارع للتحرك من اجل العراق أو غيره فقد يئس أهل الشارع من اهل النخبة، وسيظل الشارع بعيداً عن هذه النخبة ما لم تقترب هي منه، وان لم تفعل فسيتكرر المأزق نفسه مرات ومرات