السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 لعل من المبكر القول إن الأوروبيين الذين أجلوا الحرب عدة أميال فقط من مرماها، لن يذهبوا إليها بمجرد أن يقرع مجلس الأمن الدولي طبول الحرب ويسلم الألوية جميعا لدولة لم تعرف غير الحرب منهجا منذ وجدت، حتى مع البدائل المطروحة والفيتو الذي عصف بالناتو لأول مرة في تاريخه، فهو لن يجرؤ على الدخول إلى قاعة الاقتراع في مجلس الأمن إذا أزفت الآزفة. ولعل أنياب الذئب التي رآها الأوروبيون تلمع في فم وزير الدفاع الأميركي، الذي كان يضحك وهو يعد جنوده بالذهاب للحرب كأنما يعدهم بالجنة، كانت اكثر من بشعة جعلت من أسماهم الوزير الدموي بـ (أوروبا القديمة) تقف عند حدود العالم الذي رسمته الحرب العالمية الثانية، رغم انه لم يعد ثنائي القطبية، وربما كانت النفرة الفرنسية ـ الألمانية ـ الروسية محاولة للجم جماح (دعاة الحرب) من ربط العالم برمته بعجلتهم. والواقع إن التصدع الذي شهدته ميونيخ وهي تجمع أطراف الأطلسي المتباعدة ليس جديدا، لقد شرخ جدار برلين الناتو والعالم قبل أن يصل هذا الشرخ أعلى معدل له بالانقسام الأخير، فأوروبا لم تستسغ يوما أن تسلم قيادها لأميركا التي انفردت بالقطبية، ولعل في أدبيات السياسة الأميركية التي مثلها خبراء استراتيجيون مثل زبيغينو بريجينسكي، وصاموئيل هنتنغتون، وهنري كيسنجر وغيرهم ما يؤكد ذلك الرفض الأوروبي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى أن تعمد لتركيع أوروبا. لقد رأى الأميركيون دائما أن أوروبا لم توفق في سعيها إلى نيل السيادة العالمية ولذا فان عقابها كان أن تورث أميركا والسوفييت العالم بعد أن هزمت ألمانيا واليابان، ومن هنا جاء قول بريجنسكي :«هاهي أميركا الشمالية بمواجهة أوراسيا ـ أوروبا وآسيا ـ في نزاع على العالم بأكمله، فالفائز سيسيطر على العالم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ لن يكون هناك من سيعترض طريقه بعد أن يتحقق له النصر في النهاية». كان الأميركيون ينظرون إلى دور أوروبا التي أصبحت موضع النفوذ العالمي وبؤرة الصراعات الكبرى لتستمر كإمبراطورية ورثت كل عناصر الإمبراطورية الرومانية، وحققت ثلاثمائة سنة من السيطرة على العالم عندما وصلت قوة أوروبية إلى جميع قارات العالم وأثبتت وجودها فيها، حتى بلغ مطلع القرن العشرين العالم كله باستثناء الصين وروسيا والإمبراطورية العثمانية وأثيوبيا فقط. لكن سيطرة أوروبا لم تكن معادلة لإحرازها للنفوذ العالمي، إذ إن ما تم وفق الخبراء الأميركيين كان «سيادة عالمية للتمدن الأوروبي مع قوة قارية أوروبية متشظية»، ولذا رأت أميركا أنها ـ بسقوط الاتحاد السوفييتي وسيادتها ـ تكون قد أنتجت نظاما دوليا جديدا لا يكتفي بإنتاج نماذج مكررة في الخارج عن الكثير من ملامح النظام الأميركي نفسه، بل يسعى لمأسسة تلك الملامح. ولهذا رأى رامسفيلد وهو يعتلى منصة ميونيخ الأخيرة أن ما فعلته (أوروبا القديمة) غير مفهوم فهولا يفهم« كيف يمكن لأحد في العالم أن يرفض ما تقوله أميركا »، سواء كان زيفا أم صدقا، لم تتصور الولايات المتحدة أنها بعد أكثر من عقد من الزعامة الدولية أن ترفض دولة ما، وأوروبية بالذات منطقها الداعي للحرب. والواقع إن الانقسام في التحالف الدولي الغربي كان مبنيا دائما على عنصرين أساسيين هما : التوازن الاستراتيجي واقتسام المسئولية والأعباء بين أوروبا واميركا، وقد شكل هذان المؤشران مشكلتين تعيقان استمرار التحالف العسكري الاورو ـ اميركي باعتبارهما أساس المرحلة التي تلت انتهاء الحرب الباردة. لقد ساد منطق الهيمنة علاقة الولايات المتحدة بأوروبا التي كانت قد نهجت منذ انتهاء الحرب الباردة منهجا جديدا دعي بمنهج الاشتراكية الجديدة أو كما اسماه عدد من الخبراء بالطريق الثالث. ويمكن ملاحظة ذلك في التحول الذي أصاب السياسات الأوروبية والذي انسحب على علاقة الاتحاد الأوروبي بأميركا وبدول العالم. وبقي الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مؤسسة تؤطر شكليا للأمن المشترك بين أوروبا واميركا، وكرس نفسه لمهمة بدت جديدة في بادئ الأمر ثم ما لبث الأوروبيون أن أيقنوا انهم سقطوا في فخ المصالح الاميركية. تلك المهمة كرست القوات الأوروبيةـ الاميركية لحماية الأمن العالمي أو كما تسميه الولايات المتحدة بحفظ السلام. لقد حاول الأوروبيون في عدة مناسبات رسم سياسة تهدف إلى التميز الأمني، وبين طموح أوروبا بأن يكون لها دور اكبر في القرن الحادي والعشرين في إطار الزمالة مع اميركا الشمالية، وبين الأزمات التي تواجهها دوله في إطار تطوير قدراتها العسكرية، جنحت تيارات داخل الاتحاد الأوروبي لإيجاد سياسة أمنية مستقلة عن واشنطن رغم اعترافهم بالعجز عن الاستقلال بأنفسهم، وقد وفرت قضية العراق مناخا مناسبا على ما يبدو، لقد شعر الأوروبيون أن اميركا تستخدمهم كأداة لتنفيذ مطامعها في الشرق الأدنى والأقصى على حد سواء. واليوم تقسم قضية الحرب على العراق التي تجنح الولايات المتحدة لقيادتها ولو منفردة الحلف الأطلسي مرة أخرى، لكن الانقسام هذه المرة بلغ حدود الفيتو، وهو ما يؤشر لاحتمال أن ينقسم العالم مرة أخرى إلى كتلتين، وذلك ما يقلق الولايات المتحدة، والتي لا أشك لحظة واحدة إلى أنها ستتجاوز هذا الرفض والانقسام وتغامر بحرب حمقاء قد تقضي على نظامها العالمي التي بقيت عقودا تخطط له. أن الخوف الأميركي ينبع من أن ينجح الحلف الألماني ـ الفرنسي ـ الروسي الذي قدم بديلا للحرب على العراق بفرض وصاية دولية، من تشكيل كتلة مواجهة للقطب المنفرد وهو ما سيضع الولايات المتحدة أمام نظام دولي وأمني جديد لم تحسب حسابه خاصة وهي قد مدت جسور هيمنتها على معظم العالم وتهيأت لبسط نظامها الليبرالي الذي فرضت شرعيته بقوة السلاح. أميركا لا تريد نهوضا للروس من تحت رماد الحرب الباردة، ولا تريد استقواء ألمانيا، كما لا تريد لديغول أن يقوم من قبره ويعيد تنصيب (القوة الثالثة) التي قامت بعد مؤتمر مالطة وتقسيم العالم إلى معسكرين، ويبدو أن الإصرار الأميركي على الحرب على العراق هو الذي قسم العالم اليوم إلى معسكرين خرجا من مفهوم «من ليس معنا في حرب الإرهاب فهو ضدنا» وبلغا غاية «دعاة الحرب أو دعاة النكوص عنها »، لقد شظت الحرب التي تريد أميركا خوضها العالم قبل أن تقع. فهل تستطيع دول الحلف المعادي للحرب الذي تشكل من (روسيا وفرنسا وألمانيا) رأس حربته الخروج من الشرنقة الأميركية، أم أنها تناور فقط لكسب المزيد من المصالح والنفوذ في منطقة هي منطقة نفوذها فعلا، وهل أن الدول الثلاث تدافع برفضها الحرب عن مبدأ ساد بعد الحرب العالمية الثانية أم أنها تدافع عن رقعتها الاستعمارية، انه انقسام حاد فعلا ليس بين جدران الكتلة الغربية، وانما انقسام في المفاهيم الإستراتيجية، ومحاولة لإعادة تعريف عالم ما بعد الحرب الباردة، ولو جاء متأخرا، ولو كان العراق ضحيته. lahib@albayan.co.ae