السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 تحدثت تقارير كثيرة عن صفقات وشيكة لتجنب الحرب ضد العراق، غير أن أفضل هذه الصفقات أسوأ من الحرب ذاتها. وتمثل بشكل أو بآخر انصياعا دوليا وعربيا مخزيا للأوامر الأميركية، وان بدا صناعها أمام وسائل الإعلام وكأنهم يكافحون للجم الشبق الأميركي باتجاه الحرب. كما تبدو هذه الصفقات في مجملها خروجا على كل المواثيق والأعراف الدولية، ويسأل المرء نفسه عما اذا كانت تؤسس لشرعية دولية جديدة غريبة الأطوار ؟ أم أنها بمثابة نقطة على السطر تنهي عهدا، وتحمل في أحشائها بذور عهد جديد تتغير فيه الأسس والقواعد، وتخشع فيه كل الأصوات (لأميركا) فلا تسمع إلا همسا!! فبعد مخاض عسير وجدل لم يتوقف حتى اللحظة، تمخض الجبل الفرنسي ـ الألماني، فولد مقترحات غريبة تقضي باحتلال العراق ووضعه تحت الوصاية وفرض حظر جوي على كامل خريطته، بلا مقابل تقريبا سوى أن تسحب الولايات المتحدة يدها من على الزناد بشكل مؤقت، على أن تظل في كامل استعدادها لشن الحرب في أي لحظة وتبقي قواتها كاملة العتاد في مواقعها بالخليج العربي. والغريب أن يكون ذلك هو كل ما في جعبة الفرنسيين الذين ينظرون بعين الأهمية لفكرة لجم الطموح الأميركي، بينما العين الأخرى على الكعكة العراقية مخافة أن تعود باريس منها بخفي حنين. وفي السياق نفسه يتم تسويق مقترحات أخرى شاركت في صياغتها أطراف عربية، تقضي بأن يرحل الرئيس العراقي عن السلطة لاجئا الى مصر ومعه حاشيته المقربة، تاركا العراق لمصيره المحتوم حيث تدخله قوات دولية تقودها بريطانيا تعبث به ما شاءت من عبث، تحتل منشآت نفطية وتحرس حدودا، ولا بد أنها ستشكل حكومة عميلة يتلقى رئيسها الأوامر من الجنرال الذي يقود هذه القوات. أما الأكثر مدعاة للدهشة فهو تورط أشخاص مناضلين ومحترمين في هذه السيناريوهات التي بنيت على مؤامرة كبيرة، شخصيات لها وزن نيلسون مانديلا الذي يعرف معنى العدالة من كثرة ما ذاق من ظلم!! وأن تنال بحسب التقارير موافقة من حكام عرب محسوبين على الصقور (وان كان الواقع غير مؤهل لانجاب كائنات من هذا النوع). لقد تساءل الرئيس العراقي بحسب البرادعي وهانز بليكس قائلاً: ماذا بامكاني أن أفعل أكثر مما فعلت حتى نتجنب الحرب، والسؤال الأكثر وجاهة: ماذا يفعل العراق أكثر مما فعل حتى يتجنب الاحتلال ؟؟ من كثرة تهافت المقترحات على الرضا الأميركي، وامعانها في الانحراف عن مجرى العدالة يتخيل الانسان أحيانا وجود مؤامرة، وكل ما يجري مجرد تمثيلية الجميع ضالعون فيها وإن اجتهدوا في حبك أدوارهم. وإذا كانت العبرة بالنتائج، فالنتيجة واحدة سواء دارت رحى الحرب أم توقفت، فالهدف في النهاية ليس غير السطو على المقدرات العراقية، واخراج بغداد من معادلة القوة العربية، بعد أن خدعت مصر وخرجت طواعية على يد الرئيس السادات، ويراد اخراجها حتى من كونها قوة محتملة إذا ما تسلم السلطة فيها أناس لديهم ارادة سياسية تمكنهم من التمرد على سجن كامب ديفيد. ليست المشكلة في أن ينجو الرئيس العراقي وأعوانه برؤوسهم من الهولوكوست الأميركية المنصوبة أو يحترقوا جميعا في أتونها، ولا أن تلقى القنابل على المدن العراقية من عدمه؟ المسألة هي ألا يكون العراق كبش الفداء الأول عربيا لاحتلالات أميركية ربما تطال كثيرين وتصل الى أبعد من العراق بمراحل. غير أن النهج الشاروني الدولي لديه قدرة غريبة على حرف مسارات أي منطق تدار به الأمور، وهو كذلك ماهر في اختزال القضايا الكبيرة الى أشياء تافهة، بعد أن تكون النسبة الأكبر من البيض قد استوت في سلال المعتدي. اذا كانت النتيجة النهائية للأزمة العراقية هي احتلال أميركي سواء خرج صدام أو لم يخرج، دوت القنابل أم ظلت مستعدة في مخازنها، فالأشرف لصدام حسين أن يظل في موقعه ولو انتهى الأمر بمقتله، والأشرف للعراقيين أن يقاتلوا ويقتلوا بدلا من أن يسلموا بلادهم طواعية للغاصب. والأكثر مرضاة لضميري أن أتساءل: هل هذه المقترحات خارجة من أفواه قادة كبار في المجتمع الدولي أم عصابة من اللصوص الصغار يدورون حول كبيرهم طمعا في مرضاته وتجنبا لغضبه، وأن أتساءل عن الخنوع الشعبي والتواطؤ العربي الرسمي، أو العجز (بأخف المسميات) فيما المقصلة تحيط ليس برقاب العراقيين وحدهم وانما برقابنا جميعا. ألم يكن من الأولى والأشرف أن يعرض الرئيس العراقي ادارة العراق على الجامعة العربية، أو أن تتقدم الجامعة عارضة حلا يجنب العراق احتلالا أجنبيا، أم أن ارادات الزعماء العرب مجتمعين ارادات صفرية تحتاج الى واحد صحيح؟ الأسئلة الجارحة كثيرة، وتبدو بلا نهاية.