السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 إنها اكبر عملية تضليل اعلامي في التاريخ.. ومع ذلك فهي فاشلة. هكذا يقول الاعلامي والدبلوماسي الفرنسي المخضرم اريك رولو وهو يتحدث عن الحملة الدعائية الاميركية التي تشن على مستوى عالمي من اجل هدف واحد: تبرير هجوم عسكري شامل على العراق. ولكن لماذا الفشل؟ ببساطة لأن الهدف نفسه الذي من المفترض ان تخدمه الحملة ليس مقنعاً في حد ذاته. لمدى شهور متصلة لم تنجح الادارة الاميركية من خلال الحملة في اقناع الحكومات فضلاً عن الشعوب بما في ذلك الشعب الاميركي بأن العراق يمثل خطر ماحقاً وماثلاً ووشيكاً على الامن القومي الاميركي او الامن العالمي. وفي غياب هذا المبرر لجأت الادارة الاميركية الى تلك الصنعة القديمة: تأليف أكاذيب وتلفيق روايات. ويعيد اريك رولو الى اذهاننا فضيحة وقعت قبل عام حين تسربت معلومات الى صحف غربية مفادها ان وزارة الدفاع الاميركية انشأت في سرية تامة وحدة اطلقت عليها «مكتب التأثير الاستراتيجي» ليتولى مهمة التلاعب بالرأي العام من خلال وكالات انباء غير اميركية خصوصاً «رويترز» و«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر نشر «اخبار» تضليلية منسوبة الى «مصادر مطلعة» ولدى نشر هذه المعلومة في صحيفة «لوموند» الفرنسية وانتقالها الى صحف اوروبية اخرى اضطر وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد الى الاعتذار واعلان اغلاق المكتب.. لكن المكتب اعيد فتحه لاحقاً باسم جديد «بريء» هو «مكتب المشاريع الخاصة»! مع ذلك فإن الاكاذيب لم تثمر النتائج المطلوبة. ويقول رولو انه خلافاً للمتوقع اثار مشروع الحرب الاميركية على العراق تساؤلات واعتراضات غير مسبوقة فالآن نرى حكومات اوروبية ذات وزن كفرنسا والمانيا تتمرد علنا على الولايات المتحدة بينما تندفع جماهير شعوبها الى الشارع حاملة شعارات «لا للحرب». اما على الصعيد الداخلي الاميركي فإن هذا الاعلامي الدبلوماسي يذكرنا باستفتاءات الرأي التي تدل على ان نسبة الاميركيين المؤيدين للحرب ما فتئت تنخفض ويقول: «للتأكد من عدم تعاطف الرأي العام الاميركي مع مشروع الحرب على العراق تكفي الاشارة الى المعارضة الضمنية والعلنية التي يعبر عنها ضباط كبار في وزارة الدفاع الاميركية ومسئولون في وزارة الخارجية ومسئولون آخرون خدموا في عهود سابقة كما في اوساط رجال الاعمال وارباب العمل الكبار في صناعة السينما في هوليوود». انها بضاعة غير قابلة للترويج وابلغ دليل على ذلك يتمثل في ان ادارة بوش عندما تيقنت من عدم وجود ادلة دامغة ومقنعة بأن العراق يخفي اسلحة دمار شامل فإنها اضطرت لنقل ثقل الاتهام الى صعيد آخر: محاولة ربط العراق بشبكات الارهاب الدولي وتوريطه في احداث سبتمبر. والآن تتأرجح آلة الدبلوماسية الاميركية بين الاتهامين بعد ان اكتشفت أن تهمة الارهاب ايضاً لا يقوم عليها اي دليل قابل للمصداقية. ويعيد رولو الى اذهاننا ايضاً ان السلطات العراقية وجهت دعوة الى ادارة بوش لترسل الى بغداد فريقاً من خبراء وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لاجراء تحريات بأنفسهم عن اسلحة الدمار الشامل غير ان الادارة الاميركية رفضت التجاوب مع الدعوة. اما ادعاء الادارة الاميركية من خلال الحملة الدعائية العملاقة بأن هدف الولايات المتحدة من الحرب هو «تحرير» الشعب العراقي من الحكم الاستبدادي واقامة دولة ديمقراطية فإنه مما يثير الاستخفاف ويصف رولو هذا الادعاء بأنه «ليس سوى رياء اضافي في نظر الرأي العام الاميركي الذي يستذكر كافة الحكام الاستبداديين الذين تساندهم واشنطن اليوم او ساندتهم خلال العقود المنصرمة». لكن اكثر ما يميز الحملة التضليلية الاميركية هو ما تتعمد اغفال ذكره فالمسئولون الاميركيون يتحاشون الحديث عن ان الهدف الرئيسي للحرب المرتقبة هو السيطرة على ثروة العراق النفطية من ناحية والمزيد من التمكين لاسرائيل في العالم العربي من ناحية اخرى. ويتحاشون الحديث عن كلفة الحرب الباهظة والانعكاس السلبي الخطير لهذه الكلفة على اقتصاد وطني اميركي متأزم اصلاً بسبب عجز خطير في الميزانية العامة وميزانية الدفاع وميزان التبادل التجاري وميزان المدفوعات. وبعد، فإن هذه الملاحظات القيمة من شخص ذي رصيد ضخم من الخبرة في المجالين الاعلامي والدبلوماسي تنتهي بنا الى استخلاص واحد هو ان نجاح او فشل اي حملة اعلامية رهين عند نهاية المطاف بمدى صدقية الاهداف التي من اجلها رسمت الحملة.