السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 للعقل العربي غرام بالتفسير التآمري للتاريخ، لكنه غرام له ما يبرره من التجارب المريرة المتلاحقة خلال القرن المنصرم، ففي أثناء الحرب العالمية الأولى استغل الغرب حالة التردي التي أصابت العلاقات العربية التركية وأقنعوا الشريف حسين بن على بالانحياز لبريطانيا وحلفائها ضد الأتراك مقابل مكاسب سياسية، وقبل انتهاء الحرب انفجرت في وجه العرب - وفي مقدمتهم الشريف حسين نفسه - قنبلة اتفاقية سيكس «بيكو التي كانت البداية الحقيقية لتحول « الدولة اليهودية » من فكرة إلى واقع، ولم تنته المفاجآت السياسية فأصدرت بريطانيا وعد بلفور المشئوم قبل أن يجف حبر مراسلات الحسين / مكماهون. وفي الحرب العالمية الثانية عندما دعت بريطانيا حكومات الدول العربية الواقعة تحت الاحتلال البريطاني إلى الوقوف معها ضد المحور مقابل الحصول على استقلاها بعد الحرب، فإذا ببريطانيا بعد الحرب لا تكتفي بالتنصل من وعودها بل ترتكب بدم بارد أبشع جريمة ارتكبت بحق العرب في القرن العشرين وهي رعايتها نشأة الكيان الصهيوني. وقد يكون صحيحا في التحليل النظري المجرد أن التاريخ لا تصنعه مخططات تآمرية، فهو على المستوى الاستراتيجي ساحة للتدافع مفتوحة آفاقها على كل الممكنات، لكن المؤامرة موجودة دائما كآلية من آليات الصراع على المستوى التكتيكي. ولكي نقدر الوزن النسبي للعوامل المختلفة التي تحكم مسار الأزمة نتجاوز « التفسير النفطي » الذي لا يكاد يرى في العراق إلا بئر نفط تثير شهية الولايات المتحدة، فهو بسيط لدرجة تصيب بعمى البصيرة التام. وقد ذكرتني الأزمة العراقية الحالية بخلفيات غير معروفة لقصة الوحدة المصرية السورية حكاها لي المفكر القومي المعروف (المرحوم بإذن الله) الدكتور عصمت سيف الدولة، فلقد غادر عبد الناصر مصر بحرا متجها إلى سوريا ومزمعا عقد وحدة ثلاثية (مصرية سورية عراقية ). وبينما هو في عرض البحر اتصل به الرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو طالبا منه أن يزور بلغراد على وجه السرعة وقبل أن يزور دمشق. وتوجه عبد الناصر إلى بلغراد، وهناك أخبره تيتو بضرورة التوجه لموسكو قبل إعلان الوحدة وتوجه عبد الناصر في زيارة لم يعلن عنها وأبلغه المسئولون السوفييت أن عليه ألا يفكر في العراق في إطار أي مشروع وحدوي لأن حدوث إحياء قومي يمكن أن يثير حالة من الإحياء القومي في جنوب الاتحاد السوفييتي تكون له آثار سلبية كبيرة على « الرابطة الأممية ». وهذا البعد الذي رآه القادة السوفييت في أي مشروع وحدوي يضم العراق هو ما يراه الأتراك في أي عمل يضعف سلطة الدولة المركزية فيه، ففي هذا البلد يوجد قسم كبير من الشعب الكردي المشتت في عدة دول (العراق - تركيا - إيران - سوريا)، وكل صيغة سياسية عراقية تحل محل الصيغة الحالية تعني بالضرورة حالة من الإحياء القومي الكردي وتؤثر حتما في الأمن القومي التركي، وهو واحد من أهم أسباب الاهتمام التركي بالملف العراقي أملا في السيطرة على الأوضاع في شمال العراق، وربما الاستيلاء عليه لدرء المخاطر المحتملة. وإذا كان الملف الكردي قد دفع بعض أطراف المؤتمر الأخير الذي عقد في تركيا لدرجة من التقارب مع تركيا التي تغازل العالم العربي بطلب الانضمام لجامعة الدول العربية بصفة مراقب، فإنه على الأرجح سيكون قنبلة العلاقات الأميركية التركية خلال الأزمة العراقية. فتصور قيام الولايات المتحدة بتسهيل استيلاء تركيا على أي جزء من أراضي العراق أقرب إلى المحال لما يمكن أن يترتب عليه من نتائج قد تصل إلى درجة الفوضى السياسية في منطقة لا تحتمل ذلك البتة. أما تصور أن تصمت النخبة العسكرية التركية وهي ترى نظاما سياسيا عراقيا « فيدراليا » يمنح الأكراد « شبه دولة » فهو نوع من الانتحار السياسي. أما حديث التعهدات والضمانات فتتكفل بالرد عليه الوقائع الواردة في بداية هذا المقال! ـ كاتب مصري