السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 بصدور رسالة الزعماء الأوروبيين الثمانية في آخر يناير، التي أعلنوا فيها تأييدهم للحرب الأميركية على العراق، تكون الولايات المتحدة قد نجحت في تحقيق اختراق كبير لحاجز الممانعة الأوروبية لاتجاه الحرب. وتكون في الوقت ذاته قد وضعت بعض العواصم الأوروبية في مواجهة البعض، واقتربت من اثبات صدقية ادعائها بوجود «تحالف دولي» تقف هي في طليعته ضد النظام العراقي. تحالف يجرح صحة المفهوم الشائع القائل بأن واشنطن تفتقر الى شركاء حقيقيين في سياستها العراقية باستثناء التابعين البريطاني والاسرائيلي. والحق أن أوروبا تعيش حالة من التوتر البالغ على الصعيدين الفكري والسياسي، شعبيا ورسميا، وذلك على أرضية صعوبة تحديد موقف نهائي حاسم جامع ومانع ازاء الحملة الأميركية العتيدة. وهذه حالة لم تعرفها القارة منذ فترة بعيدة. غني عن الاشارة هنا كيف تمكنت واشنطن من تعبئة معظم الدول الأوروبية خلف شعار «تحرير الكويت» عام 1991 في وقت قياسي. ويبدو أن تشدد بعض الأوروبيين من أصحاب الوزن الثقيل اقليميا ودوليا، كفرنسا وألمانيا، في الالتحاق بخطاب الإدارة الاميركية هذه المرة، أصبح فوق طاقة احتمال هذه الادارة، الأمر الذي حملها على زيادة جرعات الضغوط على أطراف أوروبية بعينها بما أوصل الى صدور هذه الرسالة في توقيتها. انكشاف المخبأ أهم من هذا التوقيت، حيث جاءت الرسالة غداة بروز محور بون ـ باريس المزعج للحليف البريطاني، حصان طروادة الأميركي في أوروبا، هو محصلة الأفكار بالغة الجذرية والعمق التي أطلقها موقعو الرسالة من صدورهم بخصوص العلاقة داخل دائرة عالم الغرب على جانبي الأطلسي من جهة، وبين أعضاء هذه الدائرة وبقية عوالم الآخرين من جهة أخرى. لقد باح أصحاب الرسالة ببعض مخبوء العقل السياسي الأوروبي حين اعتبروا ان الولايات المتحدة بقيمها هي امتداد لأوروبا وقيمها.. «هذه القيم التي عبرت الأطلسي مع الذين أبحروا من أوروبا للمساعدة في انشاء الولايات المتحدة». ولكن هذه القيم المشتركة «مهددة بالتحطيم على أيدي الارهابيين كما أظهرت هجمات 11 سبتمبر».. ولا سبيل بزعم الرسالة لحماية «الرباط عبر الاطلسي» بين حكومات وشعوب أوروبا وأميركا سوى بالصمود والدفاع في وجه الارهابيين.. وأسلحة الدمار الشامل. وبعد ان تذكر الرسالة بفضل أميركا وكرمها في تحرير أوروبا مرتين في القرن العشرين من طغيان النازية والشيوعية، تؤكد على ان «العلاقة عبر الاطلسي يجب ألا تكون ضحية لمحاولات النظام العراقي لتهديد السلام العالمي». بهذا الأسلوب التعميمي أراد موقعو الرسالة عن قصد وتذاك تكريس صلة قوية في اذهان القراء بين ارهاب 11 سبتمبر والنظام العراقي وصولا الى تصعيد العداء ضد هذا النظام الى مرتبة التحالف التاريخي القديم ضد النازية والشيوعية.. ولصرف الشكوك والانتباه عن مفهوم الرابطة الحضارية الغربية المقصود توحدها في وجه الخطر العراقي، فقد عرج هؤلاء الى فكرة «الطبيعة العالمية لهذا الخطر» بحسبها فكرة قادرة على استقطاب الاخرين للاصطفاف خلف أوروبا وأميركا. تقول الرسالة «إن النظام العراقي وترسانته من أسلحة الدمار الشامل يمثلان خطرا واضحا على الأمن العالمي».. وهكذا فإنها تستهدف «عولمة» الفهم الأميركي للازمة العراقية، مخالفة بذلك حدود الحقيقة والمنطق، فإذا كانت أوروبا ذاتها تفتقد التوافق الداخلي، رسميا وشعبيا، على هذا الفهم الطغياني وعلى المعالجة الأميركية للأزمة، فكيف الحال مع العالم بأسره؟! لقد تجاوز أصحاب الرسالة قدرهم حين تحدثوا باسم أوروبا، بل وباسم عالم الغرب الاوروبي والأميركي، غير انهم اعتدوا على خيارات الأسرة الدولية كلها عندما أعلنوا اصرارهم على تخليص الأرض من الخطر الذي تمثله أسلحة صدام للدمار الشامل».. كان بوسعنا أن نتفهم غيرة الزعماء الثمانية على السلام والأمن الدوليين، لو أنهم قرنوا ـ ولو على سبيل التمويه ـ حرصهم على ازالة أسلحة الدمار الشامل العراقية بالحرص على تعميم وعولمة المبدأ ذاته.. بالاشارة مثلا الى التهديد الذي ينطوي عليه انتشار هذه الأسلحة على الصعيد العالمي أو حتى في النطاق الاقليمي المحيط بالعراق. فعندئذ لن تطالهم شبهة الاستقواء على العراق وحده واستثناء دول تخطت مبدأ الانتشار (كالهند وباكستان)، أو تحدته (مثل كوريا الشمالية) أو أهملته تماما (إسرائيل). والأكثر من هذه الملاحظة جدارة بالتنويه أن الرسالة تتنكر لحقيقة عدم ثبوت صلة ما بين أحداث 11 سبتمبر والارهاب الدولي بعامة وبين بغداد. هذا علاوة على بطلان الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل طالما بقيت عمليات التفتيش الدولي قائمة.. والا ما معنى الأخذ بهذه العمليات من الأصل؟ أليس في اطلاق التهديد بحق العراق دليل على استتباع الدعاوى الأميركية بدون وجود براهين على صحتها؟! ولا يمكن تبرير هكذا موقف الا بمفهوم الاصطفاف الحضاري السياسي الذي يغلف محتويات الرسالة من أولها الى اخرها. روح التصادم نود القول بأن السياقين القانوني والمنطقي للسياسة الأميركية العراقية لا يقدمان المسوغات الكافية لتفسير رسالة الثمانية الأوروبيين (زعماء بريطانيا وأسبانيا والبرتغال وايطاليا وتشيكيا وهنغاريا والدنمارك وبولندا). وهذا يقتضي البحث عن هذه المسوغات وفق سياقات أخرى، تتعلق في تقديرنا بما أشارت اليه الرسالة في غير موضع حين تطرقت للقيم المشتركة بين أوروبا وأميركا والرباط «الذي يجمعنا عبر الأطلسي..» فالاستطراد الى هذه المصطلحات محمل بروح التناصر الحضاري ومنه تفوح رائحة الصدام الحضاري بكل مضامينه الكريهة. أما الحديث عن تهديد الأمن العالمي والمسئولية المشتركة بين أعضاء الأسرة الدولية لمواجهة أسلحة العراق، فلا يعدو أن يكون ذرا للرماد في العيون يبغي التغطية على هذه الرائحة ولفت الانتباه عنها. من حسن حظ معارضي نظرية الصدام الحضاري أن رسالة الثمانية التحريضية لا تعبر عن سواد القوى المنتمية الى «عالم الغرب»، ولذا لا تستطيع الإدارة الاميركية الاطمئنان تماما الى أن خطابها في الأزمة العراقية يمثل المرجعية المعتمدة من هذا العالم.. بل ونحسب أن محتويات الرسالة تبدو ضارة بالموقف الأميركي اذا مافهمت على النحو الذي نطرحه، وخلاصته ان أصحابها يثيرون من حيث يدرون أو لا يدرون فكرة أو هاجس الصدام الحضاري.. فلنتصور مثلا حجم الهواجس التي كان من الممكن ان تتفجر في العقل العربي لو أن كل الزعماء الأوروبيين شاركوا في توقيع هذه الرسالة. إن خطوة كهذه ربما كان من شأنها تأكيد الانشطار والقطيعة بين العالمين الغربي والعربي، وبالتداعي تأجيج العداء للخطاب الأميركي في الرحاب العربية وامتداد هذا العداء لبقية أعضاء رابطة عالم الغرب (عبر الأطلسي) أي لكل الأوروبيين، بمعزل عن التمييز القائم حاليا بين معتدلين ومتطرفين، بين منصفين وطغيانيين! أغلب الظن أن التحسب من مثل هذا التخوف هو الذي حال ـ بين عوامل أخرى ـ دون أوربة الرسالة بالكامل. ومع ما يبشر به هذا الموقف الحذر والمسئول من الذين رفضوا توقيع الرسالة، الا ان مستقبل العلاقات العربية الأوروبية ـ وربما العربية الغربية برمتها ـ مرهون بدحض محتويات هذه الرسالة ووأد الفتنة التي تنطوي عليها ضمائر من شاركوا في ارسالها. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة