السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 «صعب أن أحدد لك مساحة غضبي.. فكل ساعة تقص إسرائيل جزءاً من جغرافيتي.. وتحرق جزءا من تاريخي.. وتلوث جزءا من شرفي.. صعب أن أحدد لك مساحة قلقي.. فجثث أطفال العراق تطفو كل صباح على فنجان قهوتي.. وضعف الوطن العربي وتمزقه يودعني كل ليلة قبل نومي.. إن غضبي بحر بلا سواحل.. وقلقي صحراء غاضبة بلا خضرة.. لقد ضاع كل ماصنعته هباء.. عدنا الى نقطة الصفر.. مكتوب على هذه الأمة ان تبقى مسكونة في نقطة الصفر». كان يحدثني بصوت حاد يعوض ضعف البصر الذي جاء به الزمن بينما كان أنواطه ونياشينه وأوسمته وصوره القديمة تطل علينا وهي معلقة بشموخ على الجدران.. وكانت كتبه مثل أولاده تجلس معنا في غرفة مكتبه تلخص التاريخ الأبيض التي عاشتها المنطقة العربية وهي تنسلخ من العبودية الى الحرية.. ومن القبلية الى القومية.. لكن.. هذه السنوات شاخت وترهلت وفقدت بريقها وبراءتها.. ولم يبق منها سوى ذكريات فتحي الديب الذي تورطت ذات مرة وسألته عن مايغضبه.. فكان ما قاله في أول المقال. وفتحي الديب هو الرجل الذي كلفه جمال عبدالناصر بملفات العالم العربي بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة يوليو عام 1952 كلفه بمهام طرد الاستعمار من البلاد التي يحتلها.. وبمهام دعم الثورة في المناطق التي اشتعلت فيها.. وبمهام توصيل المدنية في الأماكن المحرومة منها.. كلفه بالاقامة الدائمة بين أسنان التنين الأجنبي الشرس الذي كان يسيطر على الخريطة العربية.. كان على فتحي الديب أن يؤسس عالما عربيا جديدا على انقاض عالم قديم.. وأن يتحمل في سبيل ذلك مايتحمل.. فضاعف من اشتعال الثورة في الجزائر.. وكان في العراق ساعة انقلبت على الملكية.. واتصل بثوار عدن وتناول معهم الطعام.. وكان اول من هبط ليبيا بعد تغيرها.. بل أنه وصل الى عرب المهجر في أميركا الجنوبية ليمد الجسور بيننا وبينهم.. ولم يجد ما يمنع من أن يقوم بحلقة الوصل بين جمال عبدالناصر والامام الخميني.. وأن يفتح معسكرات التدريب للغاضبين على نظام الشاه في وقت كان كل الغرب يدعمه ويسانده ويراهن عليه. إن فتحي الديب هو لافييت الثورة المصرية.. ولافييت هو رجل الثورة الفرنسية الذي ترك زملاءه يتناحرون على السلطة في باريس وارتدى ثيابه العسكرية الخشنة وحمل سلاحه ليبشر بالثورة في كل مناطق أوروبا المحرومة منها.. أسبانيا وايطاليا والنمسا وروسيا والبلقان.. مثلا.. بل أنه كون جيشا من المتطوعين ليشارك في الثورة الأميركية.. ولو كان كل ماتبقى من لافييت اسما على متجر شهير فإن ماتبقى من فتحي الديب مجموعة كتب سجل فيها ماجرى للعالم العربي في سنوات المخاض الثورية.. وعندما رحل مؤخرا عن الدنيا لم تنشر الصحف الخبر في صفحاتها الأولى.. واضطرت عائلته لنشر نعيا على حسابها.. فلا أحد تذكر الرجل الذي كان العدو رقم واحد للاستعمار الغربي.. لا أحد تذكر الرجل الذي جعل الحرية من المحيط الى الخليج عملة وطنية يسهل تداولها والتعامل بها.. لا أحد تذكر الرجل الذي ذهب الى أصغر ذرة تراب في العالم العربي وقال لها: «أحبك». لقد فتح فتحي الديب مدرسة لحب الوطن في كل قرية وقبيلة عربية في وقت كانت فيه القومية العربية تعيش أمية العواطف.. ولم يكن يحلم بالشهرة ولا بالسلطة.. فقد كان بعيدا عن كل ماكان يجري في الداخل من صراعات ونزاعات ومؤامرات ومعتقلات.. وهو ماجعله يحتفظ بنقائه ورومانسيته وجرأته.. وأتذكر أنه قال لي في لحظة كنا نستدعي فيها ماجرى: لا يمكن أبدا أن تكون الثورة منفصلة عن شروطها الاخلاقية.. لا يمكن ان تكون قديسا في أفكارك وشيطانا في سلوكياتك.. هذا نوع من العهر يناقض شرف الثورة.. فالثورة في أبسط مفاهيمها هي اتفاق شرف يعقدها الثوار مع المثل العليا.. وحين ينقضوا هذا الاتفاقية فلابد منعهم من مواصلة الثورة.. كما يمنع الصيدلي من ممارسة مهنته اذا باع للناس.. سما.. وكما تسحب شهادة الطب من الطبيب الذي مارس عملية الاجهاض. كانت بدايته في كلية أركان الحرب قبل الثورة بعامين.. كان جمال عبدالناصر يقوم بتدريس مادة التكتيك العسكري لدفعته.. وفي أول حوار مباشر بينهما وجد نفسه مستفزا.. فقد سأله جمال عبدالناصر عن وطنية العائلات الثرية التي ينتمي الى واحدة منها؟ فغضب فتحي وراح يرد عليه وكأنه يلاعبه مباراة ملاكمة.. لكن.. كان الحوار الساخن بداية صداقة وطنية انتهت بضمه الى تنظيم الضباط الاحرار.. وهو التنظيم الذي كان يقرأ منشوراته ولا يعرف أركانه.. ويوم أن أقسم الولاء للتنظيم قال له جمال عبدالناصر: «ستكون علاقتك بي مباشرة.. لن تنضم الى خلايا التنظيم.. لأنك رجل المهام الخاصة».. وهو ماحدث فعلا فيما بعد.. فقد كان فتحي الديب هو رجل جمال عبدالناصر الذي قابل كل زعماء العالم وثواره دون أن يعلن عن ذلك.. وكان رجل المهام الخاصة التي لا يقدر غيره على تنفيذها.. مثل الاتصال برجال الخميني.. ومثل تهريب السلاح للثوار في الجزائر.. ومثل تجنيد شبكة كاملة من الناصريين في كافة انحاء العالم العربي فيما عرف بتنظيم الطليعة الثورية. لكن.. قبل أن يكون العالم العربي منطقة سيطرته ونفوذه كلفه جمال عبدالناصر بعد الثورة بشهرين بتشكيل أول كتيبة مظلات مصرية.. وبعد خمسة شهور أخرى.. بالتحديد في فبراير عام 1953 اتصل به جمال عبدالناصر وقال له: «أريد أن أتناول معك طعام الافطار غدا.. ماذا لديك؟».. قال فتحي الديب: «عندنا فول وعدس وجبن بيضا».. وبعد شرب الشاي قال له جمال عبدالناصر «يا أستاذ».. «الثورة في حاجة دائمة للحماية».. «يا أستاذ».. «حماية الثورة تحتاج الى جهاز قوي».. «تفتكر».. «يا أستاذ».. كيف يكون هذا الجهاز.. ورد «الأستاذ» ـ وهو اللقب الذي كان يناديه به جمال عبدالناصر حتى وفاته، على الفور: «نسميه المخابرات العامة».. «ويكون بمثابة حزب سياسي للثورة». كان رأي جمال عبدالناصر ان يكون عدد اعضاء هذا الجهاز محدودا ومن أهل الثقة وقال: «لا أريد عدداً كبيراً مش عايز الكلام يتنطور لازم يبقى فيه تدريب شديد على الكتمان».. وكان العدد المحدود الذي أسسس هذا الجهاز ثمانية هم» سعد عفرة وكمال رفعت وفريد طولان ومحمود عبدالناصر واحمد عبدالله كفافي ومصطفى المستكاوي وعبدالقادر حاتم وفتحي الديب.. وتولى زكريا محيى الدين رئاسته.. وفي تلك الفترة كان صارما متجهما حتى أن زملاءه أطلقوا عليه لقلب «بيريا».. رجل الأمن القاسي في روسيا. كانت مسئولية فتحي الديب تتسع لتشمل الشئون العربية.. فالثورة في مصر يمكن ان تموت لو لم تتحرر المنطقة العربية.. الثورة في مصر يمكن أن تختنق لو لم تجد حولها مساحة عريضة من الهواء النقي.. وقد قدم فتحي الديب الى جمال عبدالناصر ورقتين فلوسكاب مكتوبتان بخط يده.. تحمل الورقة الأولى عبارة: مستند رقم (1) على الطرف الأيمن العلوي، وعبارة: سري جدا على الطرف الأيسر العلوي.. وفي وسط الورقة عنوان «خطة العمل المقترحة لفرع الشئون العربية».. وكانت الخطة مكونة من سبع بنود هي: إنشاء اذاعة خاصة تتفرغ تفرغا كاملا للتغطية العربية تعرف باسم «صوت العرب».. القيام بدراسة ميدانية للواقع العربي للتعرف عليه بهدف تغييره.. القيام بدراسة تفصيلية لواقع الأحزاب السياسية التقدمية والتي ترفع شعارات قومية.. الاستفادة من الاعداد الكبيرة من المدرسين المصريين المعارين لجميع الدول العربية بعد اعدادهم وتأهيلهم.. الاستفادة من القيادات السياسية الذين يعيشون لاجئين في القاهرة.. اعتبار العام الأول مرحلة استكشاف وتقييم لوضع الخطة التفصيلية التي ستنفذ فيما بعد.. وعلى يمين الصفحة كتب جمال عبدالناصر: «أوافق ثم وقع باسمه الأول فقط وكتب التاريخ: 31 مارس عام 1953. كانت الشئون العربية هي الخلية الأولى في جهاز المخابرات العامة الذي اتخذ من المدرسة العسكرية في مصر الجديدة (بالقرب من بيت كمال الدين حسين) أول مقر له.. لم تكن مصر قد عرفت مثل هذا الجهاز قبل الثورة.. وكانت أعمال الأمن السرية قليلة ومقسمة بين المخابرات الحربية والبوليس السياسي.. وعندما اصبح عبدالناصر رئيسا للحكومة انتقل مقر الجهاز الى مبنى مجلس الوزراء.. وسكن ثلاثة أدوار منه.. وكان مدخل المبنى الامامي مخصصاً للوزراء وكان مدخله الخلفي مخصصاً للجهاز.. واستمر الجهاز في هذا المبنى حتى عام 1957 ثم انتقل الى مكانه الحالي في كوبري القبة.. وقبل ذلك بنحو العام كانت رئاسة الجهاز قد انتقلت الى علي صبري. لكن علي صبري لم يكن رئيسا مريحا للجهاز.. فقد انفرد بكل الصلاحيات والقرارات مستغلا انه كان حتى ذلك الوقت هو الضابط الوحيد الذي حصل على فرقة تدريب على اعمال المخابرات في الولايات المتحدة في بعثة خاصة بالطيران قبل الثورة.. وقد وقعت خلافات حادة بينه وبين مجموعة الثماني التي أسست الجهاز.. وكادت هذه الخلافات تخنق عمل الجهاز وتعطله فقرر جمال عبدالناصر البحث عن رئيس جديد للجهاز.. وتشاور مع عبدالحكيم عامر الذي استدعى مدير مكتبه صلاح نصر في منتصف أكتوبر عام 1956 وقال له في حضور عباس رضوان: «المخابرات مهمة للثورة ياصلاح ولازم شخص موثوق فيه يتولاها».. فقال صلاح نصر: «مش فاهم؟».. فقال عبدالحكيم عامر: «يا أنت ياعباس رضوان».. فقال صلاح نصر: «آسف لا أصلح لهذه المهمة».. لكن في صباح 23 أكتوبر طلب جمال عبدالناصر من صلاح نصر أن يلقاه في مكتبه.. وهناك قال له: «أريد أن أعينك نائب مدير المخابرات».. فردد صلاح نصر ماسبق أن قاله: انه لا يفهم في أعمال المخابرات كثيرا.. فقال له جمال عبدالناصر.. بحثت فلم أجد سواك يصلح لهذا العمل ولم أشأ أن أخبرك بذلك حتى لا يركبك الغرور.. سوف تعين نائبا لفترة قليلة يعين خلالها على صبري وزيرا فتتسلم منه رئاسة الجهاز.. فواصل صلاح نصر اعتذاره قائلا: «هذه مهمة صعبة وأنا لن أترك الجيش».. فارتفع صوت جمال عبدالناصر وقال له في حدة: «هذا تكليف من الثورة لرجل من الثورة والا لنفض الثورة».. ووافق صلاح نصر على تولي مسئولية الجهاز.. وقد جعله جهاز مخابرات على درجة كفاءة واحتراف عالية.. لكنه فيما بعد اساء استعمال سلطته فكان ماهو معروف. لم أكن أعرف قصة تأسيس جهاز المخابرات العامة على هذا النحو ولا أتصور أن غيري يعرفها لكن ذاكرة فتحي الديب القوية أسعفته وهو يرويها لي بعد أن امتدت بيننا جسور الثقة.. أما اذاعة «صوت العرب» فقد بدأت بست ساعات ثم راحت تتضاعف.. واختير أحمد سعيد ليكون مسئولا عنها.. ونجحت «صوت العرب» نجاحا مدويا.. وكان المواطن العربي عندما يشتري جهاز راديو يسأل البائع: هل يلتقط «صوت العرب»؟ وبنجاح «صوت العرب» انتقل فتحي الديب الى الميدان العربي مباشرة.. فسافر الى العراق.. ليضع أول قاعدة للناصرية هناك.. واستعان في ذلك بشاب مصري متزوج عراقية اسمه محمود عبدالرحمن الراعي.. وقد أصبح فيما بعد أحد مساعدي الرئيس عبدالسلام عارف.. وحلقة الوصل بين القوى القومية في القاهرة وبغداد. وواصل فتحي الديب رحلاته الاستكشافية.. فسافر الى سوريا وليبيا واليمن ومسقط وعمان وقبل ذلك كان يقضي أياما طويلة في مبنى الجامعة العربية للتعرف على هوية أعضاء الوفود.. والمثير للدهشة انه اكتشف وجود 145 عضوا في الوفود العربية يعملون في شبكات تجسس للمخابرات البريطانية والفرنسية والأميركية.. ولم يتردد جمال عبدالناصر في طردهم وسحب الحصانة الدبلوماسية منهم على الفور.. وفي هذه الفترة شكل فتحي الديب مكتب تحرير المغرب العربي.. وكان يضم ممثلين عن معظم الأحزاب الوطنية في تونس والجزائر.. والمغرب.. وبواسطة هذا المكتب تعرف على أحمد بن بيلا الذي قدم كشفا بطلبات الأسلحة: 280 بندقية عادية و180 مسدسا و100 قنبلة يدوية.. وكانت هذه هي أول دفعة تسليح قدمتها مصر الى ثورة الجزائر.. وسافر فتحي الى جنيف للاجتماع بقادة الثورة الجزائرية ليعرف منهم المزيد من طلباتهم.. ويقول لي: إن جمال عبدالناصر وافق على استخدام الباخرة الرئاسية «المحروسة» في نقل السلاح لثوار الجزائر.. خاصة عندما أضيف الى الاسلحة الخفيفة أسلحة ثقيلة.. وحتى يضمن جمال عبدالناصر استمرار الثورة الجزائرية قرر أن يصبح فتحي الديب سفيرا لمصر في سويسرا.. فهي دولة محايدة.. ويسهل من هناك شراء الأسلحة والمعدات اللازمة للثورة.. وقد بقي هناك حتى كتب للجزائر التحرر.. وقد بقى فتحي الديب يتذكر الثورة الجزائرية كل صباح وهو يفتح باب شقته ليأخذ الجرائد.. ففي الشقة المقابلة له يسكن أحمد بن بيلا. سجل فتحي الديب هذه التجربة في كتابه «الثورة الجزائرية».. كان أول كتاب يضعه بالوثائق والصور عن ما فعل.. ثم لحقه بكتاب اخر عن «الثورة الليبية» ثم جاء كتابه الثالث عن «الثورة اليمنية».. ثم جاء كتابه الرابع عن «عبدالناصر والثورة الايرانية».. ثم جاء كتابه الخامس عن «عبدالناصر والمشرق العربي».. ثم كتابه الأخيرة: «عبدالناصر وعرب المهجر».. إن كل كتاب من هذه الكتب يسجل أسطورة نضالية بيضاء.. تستحق أن تروي خاصة في أيام تحول فيها المناضلون الى سماسرة وتجار شعارات.. وربما تحولوا الى ماهو أكثر من ذلك. والمثير للحزن أن الذين لم يفعلوا شيئا وتلونوا في كل عصر وكسبوا من كل فرصة هم الذين راحوا يرغون ويزبدون ويدعون ويخترعون وراحوا يطاردونا في الصحف والمجلات والفضائيات.. فعرفناهم وحفظناهم ومجدناهم ورفعناهم وصدقناهم.. فنحن في حاجة دائمة الى أبطال من قش.. وقص ولزق.. أما الذين قدموا مايستحق الانحناء والتقدير فقد فضلوا البقاء في الظل.. بعيدا عن صخب الادعاء والأكاذيب.. وكان فتحي الديب على رأس هؤلاء.. عاش وحيدا في شقة بسيطة في مصر الجديدة هو وزوجته.. شريكة عمره.. كان يسجل ماعاشه بالوثائق والمستندات.. لم يكن يحلل ويستنتج ويضع نفسه في وسط المسرح ملقيا عليها كل الأضواء.. كان كل مايحلم به هو أن يترك وراءه الحقيقة التي عاشها.. فلو لم يقرأها أحد اليوم فقطعا سيقرأونها في يوم مقبل من الأيام. في سرادق العزاء قال لي مناضل فلسطيني شهير: لو انصفت الدول العربية التي ساهم فتحي الديب في استقلالها لو ضعت تمثالا له بجانب آخر لجمال عبدالناصر.. فلم أعلق.. فنحن في مصر لم نكرمه.. فكيف نطالب غيرنا بذلك؟.. فعلا لا كرامة لنبى في وطنه.. ولا لثائر احترم نفسه أيضا. ـ كاتب مصري