السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 قبل بضعة ايام اطل علينا برنامج فضائي شهير تتولى تقديمه مجموعة من النساء اللواتي يمثل ظهورهن احدى حلقات مسلسل المحاولات المتكررة لتغيير الديكور الخارجي للبرامج الحوارية دون ان يمس التغيير الجوهر الحقيقي لتلك البرامج التي تتكاثر بصورة لا تبشر بخير وقدم لنا مثالاً جديداً على هشاشة البنية الثقافية التحتية للإعلام العربي. فالخصوبة الاعلامية فرضت اشكالاً جديدة عارية من المضمون الجيد، لذلك جاء الانتاج هزيلاً لا يقوى على الصمود امام تحديات الواقع وامام شروط النهوض بالاداء الاعلامي الذي فقد مصداقيته منذ زمن. ورغم ان الاقلام النظيفة درجت منذ سنين تشخص هذه الحالة المرضية وتنذر بمخاطرها الوشيكة الا ان المزيد من ضرب الامثلة شيء مطلوب طالما ان التغيير الذي يطالب به جميع العقلاء لم يحدث بعد. الشاهد الجديد قدمه ذلك البرنامج الانثوي الاسبوع الماضي اثناء قراءة احدى الرسائل التي وصلت الى البرنامج تطلب فيها صاحبة الرسالة حلاً سريعاً لمشكلة شخصية استعصت على الحل. اهمية هذه الرسالة تأتي من ناحيتين، الاولى كونها تعبر عن واقع جديد فرض نفسه بقوة على المجتمع كاحدى النتائج المباشرة لبث ذلك الكم الهائل من المسلسلات والافلام التي شكلت العمود الفقري لأغلب المحطات التلفزيونية، وساهمت في بث قيم جديدة لم تخضع للغربلة او التنقيح، وكان من افرازاتها المباشرة الصورة التي تعبر عنها رسالة الفتاة. والثانية تعبر عن جهل مطبق بطرق الوقاية السليمة من الوقوع في مصيدة المشاعر السلبية التي تسلب من الفتاة راحة البال، وتصيرها كالريشة في مهب الريح لا تملك لنفسها قدرة على المقاومة والثبات. تقول صاحبة الرسالة: «انا فتاة محطمة ويائسة من الحياة، ابعث اليكن برسالتي التي تحمل معاناتي وشكواي من الحال الذي صرت اليه وكلي رجاء وأمل ان تسعفوني في ايجاد حل سريع لهذه المشكلة التي استعصت على الحل، خاصة واني أراكن المثل المضيء على النجاح الباهر الذي وصلت اليه المرأة العربية اليوم ولذا فإني انتظر منكن المساعدة والعون». ثم تستطرد قائلة: «مشكلتي التي اعاني منها ان فناني المفضل (فلان) لا يرد على رسائلي الكثيرة، ولم يعرني اي التفات رغم اني ارسلت له عشرات الرسائل حتى الآن، ولكن دون جدوى الامر الذي افسد علي حياتي، وحولني الى حطام نتيجة هذا الصد والتجاهل، فكيف اخرج من هذا الجحيم، ارجوكن ساعدنني على ايجاد حل». للوهلة الاولى يبدو حال الفتاة باعثا على الاستياء وربما الاستهجان والسخرية من عقلها الذي اضعف معنوياتها وجعلها في نظر البعض مثالاً على الرعونة والطيش، لكن هذه الاحكام والمواقف العقلية لن تغير من الواقع الذي نحياه شيئاً وهو ان لدينا الآلاف من الفتيات ممن يعانين من نفس المشكلة التي تتسبب في ارباك حياتهن، وتقلل من انتاجيتهن كماً وكيفاً. على المستوى الشخصي تأثرت جداً ان ارى فتاة في عمر الزهور ترهن مشاعرها للوهم، وتبيع افكارها للسراب، وكنت اتأمل لو تصدت احدى مقدمات البرنامج للبحث عن اجابة شافية وحل عملي يخفف على الفتاة احزانها، ويقوي لديها ارادة النجاح والتفوق على مصاعب الحياة وتحدياتها، بدلاً من الهزيمة النفسية امام الانفعالات السلبية والمشاعر المتفلتة من عقالها الى غير هدى ودون اي طائل. لقد كان من المفترض ان نسمع رداً علمياً يساعد الفتاة في الوقوف على قدميها من جديد، وتصحيح افكارها على النحو الذي يليق بفتاة مسلمة ينتظر منها المجتمع الكثير من المواقف المعبرة عن النضج العاطفي والتميز المعرفي. ولكن الآمال تكسرت على صخور الواقع الاعلامي الذي لا يزال يرشقنا بشتى الاحجار والصخور، حيث لم تزد المذيعة الاولى في ردها على الرسالة على ان تقول: «ارى ان عليها ان تيأس من الرد، ثم ماذا سيحدث لو اقترحنا عليها ان تبحث عن فنان عربي آخر تتعلق به ألن يخفف عنها هذا الحل شيئاً من الضيق الذي تعاني منه»؟!! اما زميلتها فقد تولت الاجابة بطريقتها الخاصة التي تعبر كذلك عن افلاس كامل في فهم ابعاد مثل هذه المشاكل على المجتمع بأسره وعن فقر معرفي شديد بالقواعد الصحيحة لمعالجة مثل هذه الحالات، فقالت: «اعتقد ان وقته لن يسمح له بالرد على رسائل المعجبات لذلك ارجو ان تعذريه». وصفة فاشلة اخرى تنضم الى الوصفة الاولى لتقوي الصورة الذهنية المترسخة في عقولنا ازاء عجز الاعلام المرئي عن التصدي لمشاكل المجتمع. ولقد اخفقت الفتاة مرتين، في المرة الاولى حين اهملت تهذيب مشاعرها وفي الثانية حين اختارت هذا البرنامج ليعالج ازمتها النفسية. ومن المؤسف ان الذين يرشقهم الاعلام لا يزالوا يتلقون صخوره وأحجاره مظهرين كامل العجز عن ابداء اي نوع من المقاومة!!