السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 احتفل العشاق أمس بيوم الحب ضمن طقس عاطفي استثنائي يتجدد كل عام في الرابع عشر من شهر فبراير، حيث يطلق عليه في بعض المناطق يوم العشاق، أو عيد الحب، أو السان فالانتين دي، ولأن مفهوم العيد يرتبط في الثقافة الإسلامية بما هو ديني، فإن كثيراً منّا يحجمون عن تسميته بالعيد والاكتفاء بالقول انه يوم الحب، وفي هذه التسمية نوع من المصالحة بين الثقافة الاسلامية ومتغيرات العالم التي تنخرط فيها جميع الأمم على اختلاف عقائدها. تلك المناسبة لم تمر مروراً عادياً لأن ثقافات أخرى ترى فيها خرقاً للمحظور وكسراً للطوطم، كما هو الحال في الهند بين فريق يؤيد الفكرة الاحتفالية وآخر يقف ضدها، وقد تحولت تلك المناسبة إلى مواجهة تحطمت فيها واجهة بعض المحلات التجارية التي تبيع الهدايا التذكارية للعشاق، وأصبح الحب في هذا اليوم تحديداً غائباً وحلّت مكانه الكراهية والعنف. لكن اللبنانيين يرون المسألة من موقع آخر، فقد أطلق بعض باعتهم نوعاً من المنظفات أطلقوا عليه اسم «صابونة الحب» لغسل القلوب باعتبار ان لبنان يتعافى من محنته الطويلة وبحاجة ماسة إلى تلك الصابونة، ولم يخل الأمر من بالونات وردية وقبعات حمراء وأكواب وفناجين رسمت عليها قلوب ملونة، وإذا نظرنا الى الأمر بجدية خالصة فإن الرجال فازوا بربطات عنق حمراء والنساء كان لهن نصيب الأسد من الشموع والوسائد والورود وغيرها من التذكارات ذات اللون الأحمر يتفنن التجار بصناعتها أو بيعها، وعلى ذكر التجار فإن بعض عشاق دمشق قالوا ان هذا الاحتفال اخترعه بعض الباعة لترويج بضائعهم والحب لا يحتاج الى عيد لأنه موجود في كل الأيام ومعناه لم يتغيّر عبر الأزمان، لذلك اكتفوا بلقاء أحبتهم في الحدائق أو المقاهي أو اهداءات بسيطة كالأشرطة الغنائية ومعظمها يتحدث عن الحب الضائع أو عن لوعة الفراق. في حين ان أي زائر لمركز تسوق في الدولة سيشهد واجهات حمراء بأكملها لمحلات تجارية وهي تعرض بضائع كُتب عليها ما يتصل بالمناسبة، ولا تتوقف الحركة فيها بين مشتر أو متسكع مستطلع. إلا ان كثيرين لا يعرفون عن هذا الطقس الاحتفالي شيئاً سوى ان اسمه يوم القديس فالانتين، والحقيقة تقول ان قديساً نصرانياً في روما الوثنية في عهد القائد كلوديوس عام 296 ميلادية كان يزوج الجنود سراً ضمن طقوس دينية حسب التعاليم النصرانية، لكن القائد الوثني زج به في السجن، فتحول هذا القديس الى شفيع للعشاق، وقد تم احياء المناسبة في القرن الخامس عشر الميلادي لدى الانجليز، ومن ثم انتقلت إلى باقي الدول الغربية مع انتشار كتاب صغير اسمه «كتاب فالانتين» فيه أشعار غرامية تحوّلت الى رسائل بين العشاق. وعلى ذكر الأشعار الغرامية فقد اطلعت مؤخراً على عرض لكتاب بعنوان «أجمل مئة قصيدة حب في كل الأزمان» للناقدة الأميركية ليسلي بوكيل وفيه قصائد لعدد كبير من شعراء الغزل، ولم أجد فيه أية اشارة لشاعر عربي، رغم ان العرب اشتهروا بأشعارهم الغزلية وبعض شعرائهم قضوا في سبيل وصال محبوباتهم، لكن الفضاء الثقافي الغربي يعيش خارج الزمن العربي، لذلك لم تطّلع تلك الناقدة على الشعر الغزلي العربي، أو انها تجاوزت هذا الشعر في حالة العداء التي تسود الغرب ضد العرب والمسلمين هذه الأيام، فاستكثرت ليسلي علينا حتى بيت شعر نقف فيه على أطلال بيت الحبيبة. هل يستحق العالم يوماً للاحتفال بالحب؟ إذا كان الجواب نعم، فهذا يعني ان العالم يعيش عاماً كاملاً من الكره، ويعني ايضاً ضيق مساحة الأنسنة، بل موتها الأكيد، طالما يستثنون قيس بن الملوّح وجميل بثينة وغيرهما من أهم شعراء الغزل!