السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 على امتداد التاريخ، ومنذ أن عرف الإنسان القوة والنفوذ أصبح للسلطة عشاقها ومريدوها. ورغم الطغيان الذكوري على مكامن السلطة شمالاً وجنوباً، ورغم ميلان دفة الأمور وبشكل كبير وملاحظ تجاه الرجل، إلا أن للسلطة أحياناً نساء عاشقات يعرفن من أين تؤكل الكتف. نعم للسلطة عاشقات يظهرن أحياناً ويحركن الرقعة بسطوتهن ونفوذهن أحياناً أخرى، فمن يقلّب أوراق التاريخ يكتشف آلاف الأسماء المتناثرة في زوايا السلطة، سواء كانت هنا في الشرق أو هناك في أقصى الغرب.. مئات الأسماء قمن بتطريز التاريخ ووضع بصمتهن الخاصة عليه، ومئات الأسماء جذبتهن أضواء السلطة فلم يجدن متعة إلا في احضانها حيث القوة والجاه والنفوذ، فمنها خرجت نفرتيتي وبلقيس وكليوباترا، وبها أيضاً اكتوت ايميلدا ماركوس وبنازير بوتو وويني مانديلا وربما هيلاري كلينتون! عموماً تظل السلطة امرأة مثيرة وجميلة ذات مزاج متقلّب، مرة تقربك منها، ومرات أخرى ترمي بك في صحراء قاحلة. وإذا ما تركنا أوراق التاريخ القديمة وحاولنا أن نقف عند فاصلة من فواصل هذا الزمن المفتوح المتواصل الذي تهب رياحه يسرة ويمنة، نجد الكثير من الشواهد الحاضرة على ما نقوله، وكأن مغرمات السلطة يقلن لها وبأعلى أصواتهن: «بعيد عنك حياتي عذاب». وهنا لن أقف عند الحدود الشفيفة التي تحدد العلاقة بين المرأة المستخدمة ـ بضم الميم ـ وصنّاع الفضيحة السياسية، بل سأتعداها إلى المرأة المحركة التي تصنع القرار وتوجهه بقوة واقتدار. فبعيداً عن الفضائح السياسية المصنوعة بوسيلة المرأة وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية حيث وراء كل فضيحة سياسية امرأة، وبعيداً عن مونيكا كلينتون والحسناء جينيفر فلاورز، وبعيداً كذلك عن الملفات المعدّة سلفاً والمنتظر فتحها لمن يقترب لباب كبير يسمى السلطة السياسية، ترتسم المرأة بشكل آخر أكثر قوة وسطوة ونفوذاً وتأثيراً في الحراك السياسي. ربما ونحن نجول لتقريب صورة المرأة عاشقة القوة وصاحبة التأثير، نقلب الأمثلة المشهورة أو نقولبها حسب الحالة السياسية فنقول: «وراء كل حالة حرب امرأة»! والمرأة التي نعني هنا هي كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي في ادارة بوش الثاني. تلك المرأة التي وجدت نفسها آمرة ناهية تجتمع مع الرئيس يومياً لمدة نصف ساعة تملي عليه ما يقول وترسم له أحداث اليوم. في العام 1998 وجدت المرأة نفسها في ظل السياسة، حيث كان الرئيس الأميركي بيل كلينتون آنذاك غارقاً حتى أذنيه بنزواته ومغامراته العاطفية التي زكمت رائحتها، ليس جدران البيت الأبيض فحسب، بل تعدتها الى العالم الخارجي، وهذا ما دفع بوش الأول إلى رسم خطته المثيرة والتنسيق مع أصدقائه المقربين لدفع بوش الثاني لسدة الحكم. ولم يجد أفضل من رايس، تلك المرأة المثابرة ذات المواهب المثيرة، فقد انتسبت الى جامعة دينفر وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وتخرجت وهي في التاسعة عشرة من قسم العلوم السياسية وتخصصت في الدراسات السوفييتية، ثم نالت درجة الماجستير ثم الدكتوراه وأصبحت مدرِّسة بدرجة بروفيسور في العلوم السياسية وعضوة في مؤسسة هوفر القومية. كان بوش الثاني يعلم جيداً انه يختار عقلاً مدبراً لابنه صاحب القدرات المتواضعة، وان كوندوليزا بما تملك من خبرات علمية وعملية تستطيع أن تردم كثيراً من العثرات لدى بوش الصغير، فكوندي عملت مع رونالد ريغان وادارته في التخطيط الاستراتيجي النووي في قيادة الأركان المشتركة وفي مجلس العلاقات الخارجية، وتولّت في عام 1989 منصب المدير للشئون السوفييتية والأوروبية الشرقية في مجلس الأمن القومي، كما عملت مساعدة للرئيس بوش الأول في شئون الأمن القومي، وكان بوش الأب قد قدمها بكل فخر واعتزاز في أحد اجتماعاته مع الرئيس الأسبق غورباتشوف قائلاً: «ها هي كوندوليزا التي أطلعتني على كل ما أعرفه عن الاتحاد السوفييتي». رسمت رايس لنفسها خطاً تصاعدياً نحو السلطة، فبعد أسبوع من الغزو العراقي للكويت وتدشين النظام العالمي الجديد الذي ساهمت بفاعلية في بلورته، حصلت على ترقية استثنائية، أصبحت بمقتضاها تشغل منصب المساعد الخاص للرئيس بوش الأب، وقد أشرفت شخصياً على سنوات التحوّل الحاسمة التي شهدت انهيار الاتحاد السوفييتي وتحوّله من قوة عظمى إلى دول مستضعفة! وبعد سقوط بوش الأب في الانتخابات أمام كلينتون تسلمت رايس منصباً كبيراً في مؤسسة هوفر، بالاضافة إلى مناصب في مجالس ادارات كثير من الشركات المختلفة والمتوزعة بين شركات استشارية ونفطية، مما أتاح لها الالتقاء بأغلب المديرين التنفيذيين والمتنفِّذين في تلك الشركات العملاقة. المثير في حكاية كوندي، كما يطلق عليها الأميركيون، انها تريد أن تكون من خلف ستار، وتحاول أن تلعب دوراً مؤثراً وخفياً، وأن تصبح المرأة الخفية، ويبدو الأمر ان المرأة سواء كانت ظاهرة أو مستترة، تشدّها السلطة وتجذبها إلى أعماقها، فإذا كانت ظاهرة، ارتسم عنادها وشدتها وقوتها وبأسها بشكل كبير، وإذا كانت مستترة، كان ذلك أدهى وأعظم. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون في عالم السياسة الأميركية اليوم: من يحرِّك الساحة المضطربة في الشرق الأوسط.. كوندي أم بوش؟!