السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 فجر الموقف من الحرب الاميركية الذاهبة الى العراق، خلافات عميقة داخل البيت الأوروبي حول طبيعة العلاقة شبه التقليدية مع الولايات المتحدة الراسخة منذ سنوات، وجاء الانقسام في حلف شمال الاطلسي «الناتو» بشأن دعم العمل العسكري ذروة لرفض البعض الرؤية الأميركية التي تعتمد القوة سبيلاً لتغيير النظام العراقي، ومن ثم قلب الخريطة السياسية للمنطقة رأساً على عقب. البعض يرى في التباين الحاد في المواقف بين دول مثل فرنسا والمانيا وبلجيكا «ثلاثي الفيتو» الشهير من جانب وبعض الدول الأوروبية التي تنحاز الى الحليف الأميركي مجرد اختلاف وسط اصدقاء وماهو الا «سحابة صيف لا تمطر» إذ أن الروابط التي تجمع أوروبا والولايات المتحدة اكبر مما تفرق، وان اسس العلاقة بين الجميع محكومة بالتاريخ لا بالجغرافيا، بينما يميل البعض الآخر الى أن ثمة حقائق جديدة في «التمرد» الفرنسي ـ الالماني ـ البلجيكي على الهيمنة الاميركية وانفرادها او بالاصح تثبيت دعائم هذا الانفراد بمصير العالم وترتيبه وفقاً لهوى البيت الأبيض. فهل حقاً يقف الانقسام الأوروبي في العلاقة مع الولايات المتحدة عند حدود «خلاف الاصدقاء» أو حتى يقتصر على «التمرد» الشكلي إزاء رغبة الهيمنة الاميركية على صنع القرار الدولي؟ ثمة دلائل عديدة على أن ضرب العراق سيكون بمثابة الزلزال الذي تتخطى تداعياته حدود الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين وتغيير النظام في العراق، على نحو ما تريد واشنطن خدمة لمصالحها التي تصب بالتوازي مع الأهداف الاسرائيلية. وما حدث في الأيام الأخيرة من توتر عنيف بين الثلاثي الأوروبي من جانب والولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين من جانب آخر يقول ان «القارة العجوز» دخلت مرحلة فارقة، ولن تعود الى سابق عهدها في العلاقة مع واشنطن. فقد وجدت فرنسا الساعية دوماً الى الاستقلالية، والمانيا التي تتحين الفرصة للعودة الى المسرح الدولي بقوة المجال مهيئاً للتعبير عن رفضها ـ السافر ـ للدور الأميركي الى حد خروج كل الأطراف عن التقاليد الدبلوماسية الراسخة وشاهدنا تنابذاً بالألقاب وموجات من الضربات العنيفة أسفل الاحزمة من امثال «أوروبا القديمة» و«قصر النظر» و«خيبة الامل» وغيرها من ألفاظ الحرب الكلامية التي تمثل نوعاً من التداعيات المبكرة لمرحلة ما بعد سقوط صدام قبل أن يسقط بالفعل. يقول البعض إن فرنسا والمانيا ورغم تشددهما حيال السعي الأميركي المحموم باتجاه دخول بغداد عنوة، لن تصمدا كثيراً في ضوء تصميم واشنطن على خوض الشوط الى نهايته، سواء تم تحت غطاء دولي أو بدونه.. ربما يكون في الأمر وجهة نظر يجدر الاخذ بها، لكن ذلك لا يعني ان الرضوخ للرغبة الأميركية يمكن أن يعيد المياه الى مجاريها فيما بعد انقشاع غبار المعارك، فالواقع ان السيولة الدولية التي مر بها العالم بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينيات تعيش حالياً في مخاض جديد وقد يلد عدة اجنة ربما تنهي مستقبلاً حالة الانفراد واحادية القطبية التي تعطي الكابوي الأميركي وحده الحق في تقرير مصير الكوكب الارضي رغم اتساعه. الانقسام الذي وصفه جورج روبرتسون امين عام حلف «الناتو» بالخطير للغاية بعد «الفيتو الثلاثي» لفرنسا والمانيا وبلجيكا ضد المطالب الاميركية بحماية تركيا، يجب فهمه في حدود تتجاوز حركة «تمرد» مؤقته استناداً إلى روابط تقليدية بين شطري الاطلسي.. فالعالم بعد انتهاء الحقبة السوفييتية لم يعد كما كان عليه ابان الحرب الباردة، وهو اليوم يمضي بإيقاع اسرع نحو طور جديد. والمؤسف اننا كعرب لانزال نتفرج على السيرك الدولي المنصوب وكأن الامر لا يعنينيا، رغم ان اسس الصراع تتشكل فوق الجثة العربية التي تتهافت عليها الغربان من كل حدب وصوب. وحتى الآن لم يظهر لاعب عربي واحد يستغل حالة الانقسام داخل الحظيرة الأوروأميركية، ولم نشاهد أي سعي عربي ولا حتى رغبة في الاستفادة من اللحظة الفارقة في العلاقات الدولية، وبما يجنبنا على الأقل الانهيار شبه التام بعد ذبح العراق قرباناً للسيد الأميركي. والمؤسف أيضاً أن يكون لسان حال البعض إن لم يكن الكل «نفسي.. نفسي» رغم ان قصر النظر الذي اتهم به بوش فرنسا والمانيا اكثر ما ينطبق على العرب، اولئك الذين اعتمدوا منطق دفن الرؤوس في الرمال على طريقة النعام والاكتفاء برفع لافتة «لا قبل لنا بوقف الحرب على العراق»! نعم قد تكون قدراتنا في اضعف حالتها ولا مجال في هذه العجالة الحديث عن لماذا؟ لكن هذه القدرات على هوانها لا تعدم تقليل الخسائر «الجلد والسقط» كما يقول التعبير الدارج. أوروبا المنقسمة تخوض المعاركة دفاعاً عن مصالح دولها، والتقاء البعض وتفرقهم تحكمه دوافع واسباب ليست وليدة مغامرات غير محسوبة بل هي درء لبلاء، أول من يدفع ثمنه العرب ممن يتجاهلون ان النيران مشتعلة في ثيابهم وأن الآخرين لايسعون لاطفاء تلك النيران رحمة بالعربي بقدر تجنب وصول تلك النيران إلى ثيابهم!