السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 بغض النظر عن مستقبل صراع الارادات الحاصل على الصعيد الدولى بشأن اعتزام الادارة الأميركية شن حرب على العراق، فإن كافة المؤشرات تكشف عن تهافت الدعاوى التي تستند اليها واشنطن في شن الحرب، ما يجعل منها حربا غير أخلاقية يصعب قبولها من أغلب أطراف النظام الدولى. واذا كانت السياسة لا تعتمد الأخلاق كمعيار لها وخاصة في السياق الحضاري الغربى فإن نجاح صانع القرار إنما يتحدد بمدى نجاحه في تغليف سياساته باطار أخلاقي وهذا ما يبدو أن الادارة اليمينية في البيت الابيض قد فشلت فيه حتى الآن. ورغم أن هذا الوضع يفرض أن يستتبعه بالضرورة تراجع أميركي عن هدف شن هذه الحرب ومحاولة الوصول الى تسوية تبدو مقبولة لها وتحفظ لها ماء وجهها إلا أنه من الواضح أن (إدارة بوش عازمة على المضي في مخططاتها غير آبهة بأي معارضة دولية) ما يؤكد توصيف المفتش سكوت ريتر للقيادة الأميركية بأنها كالسائق السكير الذي يقود عربة طائشة! وهو توصيف يجد صحته في ضوء ما تبدو عليه الادارة الأميركية من تعطش غير طبيعي للحرب! يبدو تهافت المنطق الأميركي في إعلان رايس مستشارة الرئيس بوش أنه من حق الولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها ضد التهديد الذي يشكله العراق. والتساؤل الذي يطرح نفسه هل يمكن أن يمثل العراق الذي تم تقليم أظفاره خلال حرب الخليج وعلى مدى السنوات العشر الماضية أي تهديد لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة؟ واذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في مواجهة منافسها القوى الاتحاد السوفييتي وتمكنت من تقويضه وتفكيكه سلميا من خلال حرب باردة استمرت على مدى أكثر من أربعة عقود.. أيصعب ذلك عليها مع نظام تمكن الضعف منه بفعل حربين اقليميتين فضلا عن نظام العقوبات والتفتيش الصارم. أما وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد الذي يتزعم فريق الصقور في فريق بوش فقد راح يدافع عن موقف واشنطن بتأكيده أن بلاده ليست مضطرة أن تقع الكارثة حتى تقوم بعمل ضد صدام وهو منطق بالغ الضعف ـ فضلا عن السخف ـ حيث لا توجد أية دلائل أو مؤشرات على تهديدات عراقية للولايات المتحدة. ويتضح تخبط ادارة فريق بوش في ادارته للأزمة بما يثير الشكوك حول كفاءة هذا الفريق في اللجوء الى اتهام صدام بالتعاون مع القاعدة وهى تهمة وردت متأخرة، أي أنها لم تطرح كسبب أصيل للأزمة، وهو ما يؤكد تهافتها. حتى الحجة التي روجت لها الولايات المتحدة والخاصة باقدام النظام العراقي على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد والتي من كثرة ترديدها أصبحت إحدى البديهيات بشأن نهج النظام العراقي وجدت من يشكك فيها من قبل مسئول كبير بالمخابرات الاميركية، حيث أشار الى أن استخدام هذا السلاح انما كان يستهدف القوات الايرانية في خلال الحرب بين البلدين وأنه لم يكن استخداما احاديا وإنما من قبل طرفي الحرب. لقد أدى هذا الضعف في الموقف الأميركي الى اتساع مساحة الجبهة المضادة للحرب. وهنا فإن الموقف الأميركي من الأطروحات الفرنسية الألمانية يثير العديد من التساؤلات.. فما هو السبب الذي يجعل الولايات المتحدة ترفض قبول اقتراح توسيع نطاق عمليات التفتيش وإمهالها الوقت الكافي لاتمام مهمتها؟! وهل يمكن أن يشكل العراق خطرا متزايدا خلال هذه الفترة فيما تقوم فرق التفتيش بالعمليات على أرضه؟ واذا كان الأمر كذلك فلماذا صمتت الولايات المتحدة على هذا الخطر العراقي طوال عقد التسعينيات ولم تقم قيامتها إلا بعد أحداث سبتمبر، ما يؤكد المقولة التي تذهب الى أن ما يجري حاليا إنما هو أحد تداعيات هذه الأحداث وأنه يمثل محاولة اميركية لتعزيز هيمنتها على النظام الدولي؟ لقد ذهبت واشنطن الى أبعد مدى يمكنها الوصول اليه في ادارتها للأزمة المفتعلة مع العراق.. وهو أمر يجد تفسيره في عدة مظاهر.. فالخلاف الحالي بينها وبين المحور الفرنسي الألماني البلجيكي هو الأعمق بين دول حلف الناتو منذ تأسيسه، فضلا عن حالة الاستقطاب الشديدة التي تسود المجتمع الدولي بين محور مؤيد للحرب تحاول الادارة الأميركية توسيعه ومحور مناهض لها يضم قوى لها تأثيرها على حالة النظام الدولى ولا يمكن تغافلها وهو وضع أسفر عما يصفه البعض بانقلاب دبلوماسي فرنسي ألماني على الولايات المتحدة. ويمس هذا الأمر في التحليل الأخير بهيبة القوة الأميركية التي تسعى واشنطن من خلال ادارتها للأزمة مع العراق الى تعزيزها، ما يشير الى أن الأهداف الأميركية من تصعيد الأزمة مغامرة محفوفة بالمخاطر! الى جانب ذلك فإن واشنطن فى تعاملها مع الأزمة تكاد تطيح بقيم الديمقراطية التي ترفعها شعاراً أو غطاءً لعدوانها المنتظر ضد العراق، كما تزعم أنها المبشرة بها وليس أدل على ذلك من عدم مبالاة الادارة الأميركية بالتظاهرات الواسعة سواء التي تشهدها على أراضيها أو في الخارج والتى تعد بمثابة تصويت فعلي ضد الحرب. يؤكد كل ذلك أن الأهداف الأميركية تتجاوز بكثير النفط العراقي.. صحيح أنه على رأس هذه الأهداف غير أنه يأتي بجانبه أهداف أخرى من بينها على ما نرى اعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يتوافق مع المصالح الاميركية والاسرائيلية على حد سواء، وهو أمر له سوابق تاريخية لعل أهمها تلك التى جرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا، فضلا عن ترويض وحوش دولية ممثلة في القوى المنافسة للزعامة الاميركية على العالم. فهل تنجح واشنطن في فرض ارادتها على العالم أم تجد من يتصدى لها واضعا حدا معينا لهيمنتها؟ سؤال متروك للمستقبل