السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 الكرة الأرضية كما نعرفها اليوم، بمحيطاتها وقاراتها المتعددة، لم تكن كذلك قبل ملايين السنين او مئات الملايين (لا اتذكر) وانما كتلة واحدة متصلة. هذا ما يعتقده الجغرافيون وعلماء الجيولوجيا، ويعبرون عنه من خلال «نظرية الانزياح القاري» المعروفة. لكن ظاهرة «التنافر» او الانقسام هذه يبدو انها بدأت تغزو عالم السياسة اكثر فأكثر، وخاصة بين القارتين الاوروبية والاميركية الشمالية، او ما كان يعرف من باب التدليل او «الدلال» بالتحالف بين ضفتي الاطلسي الذي ظل على مدى العقود الماضية، منذ الحرب العالمية الثانية، احدى الركائز الاساسية للنظام السياسي الدولي. هذا التنافر او «الانزياح» بين «الضفتين» ليس وليد اللحظة، وقد عبر عن نفسه في مناسبات سابقة، من ابرزها مواقف الرئيس الفرنسي الاسبق شارل ديغول التي ادت إلى انسحاب فرنسا من الحلف الاطلسي آواخر الخمسينيات، قبل ان تعود إلى هيئاته السياسية، دون العسكرية، منذ سنوات قليلة. وقد تعمق هذا «الانزياح» اكثر على المستويات الثقافية واللغوية، حيث ظهرت دعوات كثيرة على الساحة الاوروبية عامة والفرنسية بشكل خاص، ضد ما اعتبره بعض الاوروبيين «استعمارا ثقافيا» اميركيا يهدد الثقافات والهوية الاوروبية. وتعزز هذا التنافر مع تزايد الزحف الاميركي على مناطق النفوذ الاوروبية السابقة، في افريقيا ومنطقة «الشرق الاوسط»، وغيرها من مناطق العالم الاخرى، بما في ذلك الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي. ورغم كل ذلك ظل السياسيون الرسميون في الجانبين وخاصة على المستويات العليا، يحرصون على تجنب الافصاح علنا عن هذه التنافرات والانزياحات بين مواقف الطرفين الاطلسيين ومصالحهما الاستراتيجية التي تجمعها مشتركات عديدة، تاريخية وثقافية وانسانية وعقائدية ايضاً. غير انه منذ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الامبراطورية السوفييتية، العدو المشترك السابق، وجدت الولايات المتحدة نفسها، او اعتقدت ذلك، وحيدة على قمة الزعامة الدولية دون منازع او رديف، فاندفعت في اتباع مواقف وسياسات دولية انانية احادية الرؤية والمنطلقات، دون اعتبار لمواقف او مصالح الاطراف الدولية الاخرى بما فيها اقرب الاوروبيين. ثم جاءت ادارة الرئيس الاميركي الحالي لتصب المزيد من «النفط» على نيران الانانية والغطرسة الاميركية. وهكذا بدأ الشرخ ويتسع والانزياح يزداد سرعة بين القارة العجوز او «اوروبا القديمة»، كما سماها وزير الحرب الاميركي دونالد رامسفيلد، وبين الولايات المتحدة و«ادارتها الجديدة» بشكل خاص. وهذا ما ظهر جليا في التنابذ المحتدم بين الجانبين وفي الازمة الاعمق والاولى من نوعها التي يشهدها حلف شمال الاطلسي «الناتو» اليوم. ولم تكن المسألة العراقية الا مناسبة، وليست السبب الواحد او الاساسي، في تصاعد غبار «المعركة الاطلسية» وازاحة الرماد عن جمرها الملتهب، وعلامات انزياحها التي قد لا تكتمل خلال اسابيع او اشهر او حتى سنوات معدودة، لكنها بالتأكيد لن تحتاج إلى ملايين السنين، ولا حتى إلى عشراتها! ويبقى السؤال: أين موقف العرب من كل هذه التحولات والمتغيرات؟ ام انهم سيبقون عالة على مواقف الآخرين او ادوات في ايديهم.. وإلى متى؟!