الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 تغيب الحكمة كثيراً هذه الأيام، مع أنها الأيام الأكثر احتياجاً للحكمة والحكماء، فالفتن والالتباسات وطغيان العناد وغلبة المكابرة، والتمرس خلف متاريس القوة والنفوذ، كل ذلك وأكثر يقود العالم نحو كارثة حقيقية، مع ذلك فلا يعدم العالم من حكماء يجري الله في أفئدتهم نور البصيرة وعلى ألسنتهم قوة الحق، ليخرجوا لنا بكلام ينير الظلمات ويكبح جماح الراكضين بتهور وحماقة نحو الحرب وكأنهم يركضون نحو لعبة قدم أميركية رعناء!! فرنسا يحاول شيراكها ان يكون حكيما، فتطفح مصالح فرنسا في تشنجات اصابعه وارتعاشات وجهه، ومع ذلك فانه يحاول أن يكون ديغول القرن الحادي والعشرين، وهناك في أرض الجرمان، يبيع المستشار الجديد غيرهارد شرويدر الوعود بالمساومات، فيحاول أن يبدو أمام البرلمان أنه الحكيم الجديد الذي يحرص على المبادئ والقيم ويدافع عن العدالة والحقوق، فيطالب بحق العراق في فرص الحوار كما أعطيت الفرصة نفسها لكوريا الشمالية، بينما كان شرويدر نفسه منذ أيام قد أرسل صواريخ (باتريوت) الى (اسرائيل) وتركيا لمساعدتهما والوقوف الى جانبهما ضد العراق. الحكمة لا يحققها أصحاب المصالح.. لأن المصالح هي شكل آخر للصراع بطريقة أكثر توحشاً من الحرب أحياناً، الحكمة لا يدعيها انبياء السياسة المزيفون في زماننا، فهؤلاء يغيرون مواقفهم كما يغيرون ربطات عنقهم ليظهروا أكثر أناقة أمام ناخبيهم وعدسات التصوير.. عيونهم على معدلات قياس الرأي وصفقات الشركات التي ستكون لهم نسبة محترمة فيها.. اما المواقف الشجاعة التي نراها فهي لا تعدو كونها تكتيكاً سياسياً لتحقيق صفقات أكبر، غالبا ما تتم تحت الطاولات بعد جولات العنتريات الميكروفونية. ليس مطلوباً من زعماء أوروبا الساطع نجمهم هذه الأيام في سماوات برلين وباريس وبروكسل ان يكونوا حكماء أكثر مما ينبغي، بل مطلوب منهم أن يكونوا سياسيين قدر استطاعتهم وهذا ما يفعلونه على وجه الدقة، ومع ذلك فهم يتحدثون بحكمة ظاهرة حتى وان استهدفوا مصالحهم، فما قاله شرويدر صباح الأمس لا يستطيع ان يقوله أي حاكم عربي.. يكفي انه قال بشكل مباشر: نقول للمعارضة وللراغبين في الذهاب للحرب بأن ألمانيا لن تشترك في الحرب بأي حال من الأحوال، ان للحرب نتائج وخيمة على العالم، وان حلف الناتو قد أسس ليحقق مبادئ السلم لا مصالح الدول الضيقة!! والحكمة نقرؤها في كلمات (جبران خليل جبران) الذي كتب كتابه الشهير (حديقة النبي) وفيها يتحدث احد انبياء بني اسرائيل بعد ان خاض غمار سفر طويل لمدة 12 سنة، ثم اعتكف في حديقته أربعين يوما، وعندما خرج وسئل عن تلك الأرض التي أقام فيها تلك السنوات الاثنتي عشرة، بقي صامتاً زمناً ثم قال بحكمة ظاهرة: يا أصدقائي: ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين، ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، ويل لأمة تحسب المستبد بطلاً وترى الفاتح رحيما، ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا اذا مشت في جنازة، ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع، ويل لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها ترقيع وتقليد!! ويل لأمة تستقبل حكامها بالتطبيل وتودعهم بالصفير، وويل لأمة حكماؤها خرس، ورجالها الأشداء لا يزالون في أقمطة السرير، ويل لأمة مقسمة الى أجزاء وكل جزء يحسب نفسه أمة!! ثم صمت الحكيم.. كما يصمت كل حكماء اليوم ليعلو صوت الحمقى والناعقين بالخراب.