الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 غريب جاء.. جميل أن تصحو قبل الشمس، أن تجد الناس قبلك، وجوههم مسفرة تفوح منها رائحة العطر، عليهم ثياب جديدة. جميلة هذه الثياب، هذه الوجوه، هذا الاستيقاظ المبكر، هذا التجمع، كلهم جاءوا من أجل العيد، كل هذه المظاهر له وحده، انهم يبحثون عنده عن الفرح. لكنه جاء غريبا! جلسوا، تراصوا في صف مستقيم، طويل هذا الصف لا يكون في الصلوات العادية هكذا، انه استثناء، الصف الطويل، وأيضا مصلى العيد، لا يستخدمونه إلا في مثل هذا اليوم. مرتان، مرتان فقط في العام. هللوا، كبروا، ارتفعت أصواتهم كثيرا، امتزجت حناجر ملونة لا تتعارف، لا تفهم إلا هذه المفردات المشتركة. لحنها جميل هذه الحناجر عندما تتناغم وتنشد تكبيرة واحدة. بدأ الصوت يخفت، حتى وصل إلى درجة الصمت. صمتوا عندما قام الإمام، امام العيد يخطب فيهم. قال الامام كلاما مختلفا، قويا، هكذا بدأ، كأنه سيتحدث عن الساعة، عن الأحداث التي تعيشها الأمة. في قلوبنا أردناه أن يفصّل، أن يسرد ويكشف المكشوف، لكن الامام خيّب الظن! قال: لا تخافوا مما يحدث، لابد أن يكون أيمانكم قويا، كله مكتوب! لماذا يا سيدي الشيخ هكذا، دعوتك هذه فيها تواكل، فيها ظلم للنفس، وللدين أيضا! ليتك قلت لهم: بل خافوا أكثر، واغضبوا أكثر، وافعلوا أكثر من الانتظار. وانه ما مر عليكم زمن أسود، ولن يأتي عليكم زمن أكثر سوادا من هذا الذي أنتم فيه. كله مكتوب نعم، ولكن الله لا يغير ما بقوم وهم نيام، ينتظرون الأمم الآخرى أن تفعل لها وتنقذها، أن يأتي نصرها من الخارج. أمة لا تستحق أن تعيش، تلك التي تنتظر أن يأتيها النصر من أي مكان، ولا تحاول ـ حتى المحاولة ـ أن تنقذ نفسها وأن يكون لها قرار أو صوت في تحديد نهايتها ومصيرها. ما لم يقله إمام العيد في خطبته، اختصره في الدعاء الأخير، دعا لها بالنصر وعلى الأعداء بالذل والخزي والانتقام. طوى من جاء بسجادته للصلاة، طواها مسرعا وهرول معها نحو الباب الذي اشتد عليه الزحام في دقائق معدودة. أول عيد لا تجد فيه جماعة تكبر في منتصف المصلى، تبارك لبعضها وتقف ولو لحظة تردد تحية منسيّة، لا تقال دائما. يبدو أن القلوب تناستها. لعل النسيان لسان الحال. حال القلوب المغمومة التي نصحها الإمام ألا تخاف. لا تجد من يسلم عليك، ولا يمر قربك من تشتهي أن تسمعه عبارة مدفونة من عيد بعيد مرّ، تقول له: مبارك عيدك. كلهم يركضون من مصلى العيد، وأصعب من الركض أن كل الذين يمرون عليك، أغراب عنك، من العشرة لا تجد واحدا ينتمي لك، قد تجد هذا الواحد لو دققت كثيراً وبعيدا، قد تجده بين المئة ـ يا الله ما أصعب عملية البحث والتقصي ـ على اليمين، على الشمال، في العمق كلهم غرباء! حزين هو العيد، عندما لا تجد فيه الهوية بارزة، لا تجد حتى ظلها! خارج المصلى يتعالى رنين الهواتف، لا تحمل في هذا العيد أصواتاً كعادتها، أنما كلمات، مجرد رسائل مكتوبة، قصيرة وصامتة. ما أكثر رسائل هذا العيد، يبدو أنها لسان الحال ايضا. الناس لا تريد أن تتحدث اكتفت بالرسائل. جمال العيد قد تجده في عيون «الشواب» والعجائز، هم فقط حافظوا على «السنّه» سنّتهم، على «المايوب»، على الموروث، تزاوروا وفتحوا بيوتهم كعادتها دائما، وحضّروا قبل الصلاة «هريسهم» و«خبيصهم» وقهوتهم، هذه ثوابت لا يرضون للخدم ان يقتربوا من سر نكهتها، مهما تعلموا وأجادوا. يتواصلون ولو كان المزار بعيدا، قلوبهم تقرب البعيد. ما أوسع هذه القلوب واجملها. هؤلاء الكبار في كل شيء، هل سنجالسهم في العيد الآتي، هل سيحفظهم لنا الدهر اعواما اخرى ولو قليلة؟ إنها حّبات ثمينة، قطّع الزمن السلك الذي يضمها فتناثرت وغابت في التراب. ما أعظمها من خسارة، ان نبحث عنهم ولا نراهم بيننا، ان يزورنا العيد ولا يجد لهم رائحة عندنا. حفظهم الله، هؤلاء هم الثروة، هؤلاء هم الاصل والجذور