الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 هل هي يقظة قومية بدأت تجتاح ألمانيا؟ هل يريد الشعب الألماني التحرر من عقدة شعور جماعي بالذنب ظل يعاني منها لأكثر من نصف قرن؟ هل تريد الأجيال الألمانية الجديدة رد الاعتبار للوطن عن طريق رد الاعتبار للزعيم القومي أدولف هتلر؟ وهل هذا كله مقدمة لهجوم قومي معاكس ضد اليهود والحركة الصهيونية العالمية؟ للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تنهض مؤسسة السلطة الألمانية بدعم شامل من الشارع لتتحدى هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا والسياسة الأميركية الدولية بوجه عام. ومع الانتقال المتسارع الايقات للأزمة العراقية من طور إلى آخر يزداد التحدي الألماني للولايات المتحدة حدة. هذا التطور المثير يتزامن جنبا إلى جنب مع تفاعل نقاش ساخن في الأوساط الاكاديمية الألمانية وفي وسائل الإعلام، انبعث من صدور كتاب هو الأول من نوعه بشأن ما جرى لألمانيا النازية خلال المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. فهل هي مجرد مصادفة ان يجرى هذا النقاش على خط متواز مع وقائع المعركة الدبلوماسية الكبرى التي تخوضها حكومة غيرهار شرويدر ضد الولايات المتحدة؟ كتاب «النيران: ألمانيا والقصف من 1940 إلى 1945» للمؤرخ جورج فريدريش يعيد كتابة تاريخ الحرب العالمية الثانية من زاوية جديدة تماما تناقض كل ما كتب عن الموضوع بواسطة المؤرخين الغربيين. فبينما ظل مؤرخو الغرب يقدمون هذه المرحلة إلى دارس التاريخ كسجل من الاجرام الألماني في العهد النازي فان السياق العام للعرض التاريخي الذي يقدمه لنا الآن فريدريش يعتبر أساسا لاتهام «الحلفاء» بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الألماني. هل كان قصف «الحلفاء» بقيادة سلاح الطيران الأميركي لألمانيا جريمة حرب حقا علما بأن عمليات القصف أدت إلى تدمير 130 مدينة ومقتل 635 ألف مدني؟ منذ هزيمة ألمانيا في عام 1945 وحتى اليوم ظل مجرد طرح هذ السؤال بنبرة تساؤل او شيء من الاعتراض يعتبر مقدمة لمعاداة السامية ـ اي كراهية اليهود. ومن ثم تبلورت مع مرور الزمن قناعة ضمنية عامة بأن هذا موضوع محظور. فقد نجحت الحركة الصهيونية العالمية بسيطرتها ونفوذها على وسائل النشر والإعلام في الغرب في إرساء انطباع شعبي عام بأن ألمانيا ما قبل الحرب دولة إجرام عنصري موجه بصورة كاملة ضد أمة اليهود مما لا يصح ان يجد فيه اي مواطن ألماني سببا للتفاخر. ومن ثم نجحت الصهيونية العالمية في الوقت نفسه في اشاعة قناعة شعبية أخرى بأن تدمير ألمانيا النازية على ايدي قوات «الحلفاء» خلال الحرب الثانية كان احقاقا للحق والعدالة. الان يبدو اننا نشهد بدايات تحرك أكاديمي مضاد في ألمانيا بعد مرور 58 عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية. في وقت قياسي صعد كتاب المؤرخ الألماني جورج فريدريش إلى رأس قائمة اكثر الكتب توزيعاً في ألمانيا على خلفية مناقشات ساخنة لمضمون الكتاب في الجامعات والصحف والتلفزيون. الرسالة الرئيسية التي تنبعث من بين صفحات كتاب المؤرخ الألماني المعاصر فريدريش هي ان الهجمات الجوية للحلفاء على المدن الألمانية كانت «لا أخلاقية» ويتساءل المؤرخ ما اذا كان هدف تلك الهجمات هو اثارة الشعب الألماني ضد أدولف هتلر. لقد كان من بين الوقائع التي سجلها ووثقها فريدريش مقتل نحو 40 ألف مدني الماني في غارة جوية واحدة على مدينة درسدن في فبراير 1945. وما ان صدر الكتاب حتى استقبله الكثيرون من المؤرخين والمعلقين الألمان بمقالات تقريظية كان المحور العام لها هو ان الكتاب جهد رائد لالقاء ضوء جديد على موضوع طال تجاهله. ويقول فريدريش ان حملة قصف المدن الالمانية ليس له مثيل في التاريخ سواء من حيث طول مدته او كثافته فقد تعرضت اكثر من ألف مدينة وقرية للقصف واسقط نحو مليون طن من المتفجرات على 30 مليون مدني اغلبهم من النساء والأطفال والعجائز. غير ان المغزى الحقيقي الذي يعكسه هذا الجهد الرائد للمؤرخ الألماني المعاصر ليس توثيق وقائع جديدة لأهم حقبة في تاريخ المانيا وانما هو صدور الكتاب في حد ذاته. ان نشر الكتاب هو بمثابة تحدي حظر ظل ساري المفعول لأكثر من نصف قرن.. وهو تحد موجه بالضرورة الى الحركة الصهيونية في العالم عموماً والمانيا خصوصاً. على هذا النحو لا يمكن فصل مغزى نشر الكتاب عن مغزى التحدي الالماني على مستوى مؤسسة السلطة للسياسات الدولية الاميركية والمغزى العام هو اذن ان الشعب الالماني ربما يكون قد عزم على النهوض للتحرر من الهيمنة الابتزازية الثنائية المتمثلة في التحالف الصهيوني الاميركي. وغداً قد نسمع عن تحرك الماني لاعادة اعتبار أدولف هتلر باعتباره زعيماً قومياً فذاً.