الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 شكل احتلال القوات العراقية للكويت الفرصة التي انتظرتها الولايات المتحدة طويلاً وبفارغ الصبر لكي تتدخل عسكرياً وبشكل مباشر في منطقة الخليج العربي، كما ان هذا الاحتلال اعطى واشنطن الفرصة لكي تدشن عهد القطب الواحد بعد تسارع الانهيار السوفييتي، وبالتالي كان الاحتلال العراقي للكويت نقطة تحول ليس بالنسبة لمنطقة الخليج فحسب وانما في العالم، حيث استعرضت واشنطن قوتها لفرض لغة الحرب واستبعاد الحلول العربية التي حاولت الجامعة العربية ايجادها لمعالجة الازمة التي احدثها الاحتلال العراقي. مما قيل في الواقع فشلاً جماعياً عربياً في مواجهة هذه الازمة. واستطاعت الولايات المتحدة ان تحشد تحالفاً دولياً كبيراً ضد العراق وان تمارس دوراً ضاغطاً على الامم المتحدة من اجل استصدار القرار الذي يعطي للتحرك الاميركي العسكري في منطقة الخليج شرعيته، وذلك من اجل توفير اكبر دعم دولي للدور الاميركي الذي حاولت الولايات المتحدة تصويره على انه الدور المطلوب لحل مشكلة خطيرة تهدد الامن والسلام في هذه المنطقة. واذا كانت الولايات المتحدة قد رأت في احتلال العراق للكويت مناسبة للهيمنة على منطقة الخليج اغنى مناطق العالم بالنفط الذي يعد شريان الحياة الرئيسي في الغرب، فإن احتلال القوات العراقية للكويت مثل ايضاً مناسبة طالما انتظرها الكيان الصهيوني للتخلص من القوة العراقية التي طالما نظر اليها بقلق كبير. ولذلك نرى ان اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة سارع لاستغلال الخطوة العراقية لكي يدفع باتجاه تدمير العراق ولعل من المفيد هنا ان نستذكر التصريح المعروف الذي ادلى به رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي آنذاك اسحاق شامير بعيد دخول القوات العراقية للكويت حيث اعلن شامير ان «اسرائيل» تعارض اي تسوية تبقى على القوة العسكرية العراقية وهكذا نرى ان المصالح الاميركية تطابقت تماماً مع المصالح الصهيونية واستغل الطرفان الازمة التي اندلعت في الخليج في سبيل ترسيخ مصالحهما في الهيمنة على المنطقة. اهداف استراتيجية وفي محاولة منها لاقناع العرب بدورها زعمت الولايات المتحدة ان حلها للازمة الناشئة في الخليج سيفتح الطريق لحل مشكلة الصراع العربي الاسرائيلي عبر مؤتمر مدريد، الذي ثبت في نهاية المطاف انه لم يكن سوى مسرحية اميركية اسرائيلية ليس الا.. ومع تصاعد الازمة توالت المشروعات الامنية التي تسعى عملياً إلى اعادة تشكيل الاوضاع في المنطقة. ومن بين هذه المشروعات جاء المشروع الاميركي الذي يهدف في الحقيقة إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: اولاً: تكريس قيادة الولايات المتحدة للعالم، او بمفهوم آخر ابقاء هيمنة الغرب عموماً في ظروف ما بعد انتهاء الحرب الباردة التي شكل انتهاؤها بالشكل الذي تم فيه انتصاراً ساحقاً للغرب على المنظومة الاشتراكية. ثانياً: العمل على توفير حماية دائمة لمصادر النفط والحفاظ على تدفقه بسعر معقول لا يؤدي إلى مضاعفة نسب التضخم في الغرب. ولوصول الولايات المتحدة إلى هذه الاهداف اتبعت واشنطن وسيلة الضغط العسكري حيث عمدت إلى رفع مستوى التواجد الاميركي وتطويره في المنطقة بحيث وصل إلى مرحلة الاحتفاظ بقواعد برية وبحرية عسكرية، بالاضافة إلى اقامة مخازن للاسلحة لاسيما ان تجربة حرب الخليج الثانية اكدت انه من السهولة بمكان نقل الافراد بسرعة، في حين تمثل عملية نقل المعدات عقبة في سبيل سرعة تحقيق الاهداف العسكرية المرجوة. ولكي تتغلب الولايات المتحدة على اعتراضات الرأي العام الاميركي تجاه تواجد اعداد كبيرة من القوات الاميركية في الخارج، فقد لجأت واشنطن إلى زيادة صادرات الاسلحة إلى العديد من دول المنطقة كما قامت بتحويل جزء من اهتمامها نحو الصراع العربي الصهيوني ولكن بالشكل الذي لا يمس الاهداف الاستراتيجية. ونلاحظ هنا ان هذه الاستراتيجية الاميركية وضعت الصراع العربي الصهيوني في مرتبة متأخرة في المشروع الاميركي بحجة ان الموقف الفلسطيني الشعبي والرسمي جاء مؤيداً للعراق اثناء الازمة. والحقيقة ان هذا المشروع الاميركي ادى إلى موجة تسلح جديدة لم تشهدها المنطقة من قبل، حيث ضاعفت العديد من الاول في شراءها للعتاد الحربي ولاسيما الاميركي بما يعنيه ذلك من فوائد وعائدات مالية كبيرة تجنيها الشركات الاميركية المصنعة لهذه الاسلحة. وباختصار تركزت الاستراتيجية الاميركية بالسعي للحفاظ على المصالح الغربية الحيوية في منطقة الخليج وملء الفراغ الناشيء عن الانهيار السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة. ومع اصرار الولايات المتحدة على ان تتولى هي ومعها الغرب حماية ما يطلق عليه المصالح الحيوية في المنطقة بامكانيات وقوات اميركية دائماً واوروبية احياناً، كان من الطبيعي ان يواجه اي مشروع عربي للاعتماد على قوى عربية بحزم شديد من قبل الولايات المتحدة والغرب عموماً. ولذلك تعثر الكثير من المشاريع العربية ومحاولات تنفيذ اعلان دمشق الذي طرح في مارس عام 1991، بفعل عقبات خفية. زد على ذلك ان حالة التمزق والضعف التي تسود الوطن العربي لم تسمح ببلورة مشروع عربي قوي يستطيع العرب من خلاله صياغة معادلات امنية جديدة في المنطقة بعد الهزة التي احدثها الاحتلال العراقي للكويت في عام 1990. وهذا الضعف العربي سمح للقوى الاجنبية في الماضي كما سمح لها الآن بالتدخل في الشئون العربية الداخلية وفرض افكارها ومواقفها على العرب، ومن بين هذه القوى الولايات المتحدة التي تطرح نفسها الآن كقوة وحيدة في العالم. المستفيد الأول وبالعودة إلى الدور الصهيوني في هذه المعادلة الاميركية نلاحظ ان الكيان الاسرائيلي كان ولا يزال المستفيد الاول من كل السياسات الاميركية في المنطقة وان هذا الكيان استطاع بسبب ضغط اللوبي الصهيوني الفاعل في الساحة الاميركية ان يوجه سياسة الولايات المتحدة بالاتجاه الذي يخدم مصالحه دائماً. ولعل ما جرى منذ عام 1990 وحتى يومنا هذا يكشف بوضوح مدى الترابط المصلحي بين الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي، ففي حين تسعى الولايات المتحدة من خلال اساطيلها وجيوشها إلى الهيمنة على منطقة الخليج مستهدفة المخزون النفطي العراقي بشكل خاص، يسعى الكيان الاسرائيلي إلى استغلال هذا الاندفاع الاميركي لزيادة قوته العسكرية وفرض المواقف الاسرائيلية وبناء تحالفات مع دول مجاورة للمنطقة لمحاصرة الدول العربية التي يمكن ان تشكل عائقاً في وجه السياسة الاميركية الاسرائيلية في المنطقة. ومن يتابع تطور الاحداث بدقة يستطيع ان يشاهد من دون اي عناء ملامح الدور الاسرائيلي حتى في القرارات التي اتخذتها الامم المتحدة بضغط من الولايات المتحدة بشأن العراق، حيث اصرت هذه القرارات على تجريد العراق ليس من اسلحة الدمار الشامل فحسب، وانما من الاسلحة التي يمكن ان يطال مداها الكيان الاسرائيلي. زد على ذلك قيام بعض مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة بالتجسس لصالح الكيان الاسرائيلي وقيام بعضهم بزيارات سرية إلى الكيان الاسرائيلي ومن بينهم سكوت ريتر الذي ترأس احد فرق التفتيش الدولية. وتزداد خطورة الدور الاميركي والاسرائيلي تجاه العراق والدول العربية عموماً، مع السعي المستميت لكل من واشنطن وتل ابيب إلى افراغ العراق حتى من علمائه والعقول التي يمكن ان تخدم في المستقبل سعي العرب لولوج طريق العلم والمعرفة، حيث تضغط الادارة الاميركية الخاضعة للوبي الصهيوني على رئيس فرق المفتشين الدوليين عن اسلحة التدمير الشامل في العراق هانز بليكس لاخراج العلماء العراقيين من بلادهم مما حدا باحد العلماء العراقيين إلى وصف سلوك المفتشين الدوليين بانه شبيه بعمل المافيا. وتكشف المظاهرات التي اجتاحت الكثير من مدن العالم ومنها عاصمة الولايات المتحدة ذاتها مدى انكشاف حقيقة السياسة الاميركية امام الرأي العالم العالمي الذي اصبح مقتنعاً اكثر من اي وقت مضى بان الولايات المتحدة لا تسعى إلى تحقيق الامن والسلام في العالم كما تحاول ان تصور نفسها في المحافل الدولية او عبر وسائل الاعلام، وانما تحاول فقط تأمين مصالحها الخاصة على حساب الشعوب الاخرى مستغلة قوتها العسكرية، مما يعيد إلى الاذهان دور المافيا الهتلرية في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية. حتى ان بعض المتظاهرين في واشنطن شبه الرئيس الاميركي جورج بوش بالزعيم النازي ادولف هتلر، في حين اعتبر 36% من مجموعة من الكنديين استجوبوا حول دور الولايات المتحدة في العالم ان الولايات المتحدة تشكل خطراً على الامن والسلام العالمي اكثر بكثير مما تشكله منظمة القاعدة، في حين اعتبر واحد من كل ستة اشخاص من الذين اخذت اراؤهم ان العراق يمثل خطراً على السلام العالمي. وازاء كل ما تقدم نستطيع ان نقول ان ما تخطط له الولايات المتحدة في المنطقة يمثل خطراً حقيقياً، ليس على الخليج العربي فقط وانما على العرب عامة. ولذلك فإن خطورة هذه المرحلة تجعل من الضروري قيام الدول العربية بتحرك سريع يحول اولاً وقبل كل شيء دون وقوع حرب جديدة في العراق، تدفع ثمنها في حال وقوعها شعوب المنطقة من دمائها وثرواتها التي كانت وتبقى على الدوام الهدف النهائي لأي تدخل اجنبي مهما كان نوعه. ـ كاتب فلسطيني