الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 في ظل العولمة الإعلامية والاقتصادية والسياسية فإن ما يحدث في مكان ما من العالم تؤثر نتيجته على ما يحدث في أماكن أخرى، فالكل مترابط والكل يمكنه أن يكون سببا في نتائج سلبية على الكل، أو إيجابية للكل، ولا يمكن لدعاة العولمة أن يتجاهلوا هذا، أو يحاولوا التملص من حدث في مكان ما على الكرة الأرضية والادعاء بأنه حالة خاصة، لأنه بهذا المنطق يمكن القول بأن كل أزمة حالة خاصة، وعندها تنتفي أولى قواعد العولمة القائمة على أن العالم قرية صغيرة، وما يحدث في أحد جوانبها يؤثر بالتالي على جوانبها الأخرى، بل وعلى مركزها. أسوق هذا الكلام بعد أن قرأت لأكثر من محلل سياسي متحمس للعولمة يحاول أن يؤكد أن الفشل الذريع للسياسة الأميركية وأجهزتها المتآمرة في فنزويلا في الإطاحة بالرئيس هوجو شافيز لا يعتبر مؤشرا على شئ سلبي في هذه السياسة، مع أن أكثر العالمين ببواطن الأمور، وبشكل خاص من المتخصصين في الشئون الأميركية اللاتينية الذين نبهوا منذ البداية إلى الارتباط الوثيق بين خطط الولايات المتحدة في الهيمنة على الشرق الأوسط عبر ضرب العراق، بافتعال قضية سأسلحة الدمار الشاملس، والمحاولة الفاشلة لقلب نظام الحكم الديمقراطي في فنزويلا من خلال الإضراب العام الذي استمر 63 يوما بعد فشل محاولات المخابرات الأميركية في تحريك الجيش الفنزويلي ضد الرئيس المنتخب، فكان أن استخدمت واشنطون رجال الأعمال الذين أصبحوا في دنيا العولمة أسلحة استعمارية تلعب الدور القديم الذي كان يلعبه الجنرالات في زمن الحرب الباردة. كانت الولايات المتحدة تطمح إلى الإطاحة بالحكم في فنزويلا، والسيطرة على بترولها ليكون بديلا عن بترول الشرق الأوسط، أو على الأقل يغطي جزءا من احتياجات الولايات المتحدة وحلفائها في حالة استمرار أمد الحرب في العراق لأكثر مما هو متوقع، والآن وبعد أن فشلت أجهزة التآمر الأميركية يحاول منظرو العولمة إغماض أعينهم عما حدث في فنزويلا، ويصرون على أنها حالة خاصة لا يجب القياس عليها، مع أن هذه الحالة الخاصة يمكن أن تشير إلى أنه في ظل العولمة أيضا يمكن مقاومة السياسات الاستعمارية التي تهدف إلى السيطرة وتحقيق مصالح الدول الكبرى على حساب الدول الصغرى. الدرس القاسي من هنا كان الدرس القاسي الذي لا تريد واشنطون الاعتراف به، وتجند الإعلام التابع والخاضع والمسيطر عليه لإبعاد شبح الهزيمة السياسية عن مخططيها، وتحميل الآخرين عبء هذا الفشل من خلال تصوير توقف الإضراب العام في فنزويلا على انه نجاح لمن أسموهم سأصدقاء فنزويلاس، أو الدول الصديقة لفنزويلا التي تحاول أن تتوسط ما بين رجال الرئيس المنتخب والمعارضة، على الرغم من الرفض الشعبي العارم لهذا الإضراب الذي اضر بمصالح البلاد بشكل كبير، وكان يهدف إلى تحقيق أحلام شخصية لبعض قادة المعارضة على حساب مصالح الوطن، فكانت النتيجة أن الشعب سئم هذا الإضراب وأعلن عن دعمه للرئيس المنتخب حتى قبل أن يقرر المضربون التخلي عن موقفهم بعد أن تبين لهم أن الجيش لم يعد ألعوبة في يد المخابرات الأميركية كما كان من قبل في زمن الحرب الباردة، وأن رجال الأعمال الذين رشحوا أنفسهم للعب الدور الانقلابي لا يزالون بعيدين عن تحقيق هذا الهدف، لأنه في حالة فنزويلا فإن معظمهم مدان مسبقا لعلاقته بالفساد الذي كان سائدا قبل وصول الرئيس هوجو شافيز إلى الحكم، حتى زعماء النقابات العمالية الذين انضموا إلى رجال الأعمال في إضرابهم تحوم حولهم الشبهات لعلاقتهم بالأحزاب السياسية الفاسدة التي سيطرت على الحكم طوال الأربعين عاما السابقة، وساهموا في استنزاف أموال البترول الفنزويلي، وتركوا الشعب يعاني إلى الدرجة التي يؤيد فيها انقلابا سابقا بعد أن يئس من السياسيين التقليديين. على أي حال بعد هذا الإضراب الطويل الذي فشل في إبعاد الرئيس المنتخب عن منصبه أصبح السؤال: من الذي خسر هذه الجولة؟. كل المؤشرات تشي بأن الرئيس الفنوزويلي المراد الإطاحة به أصبح أكثر قوة في البلاد، وأن من كانوا سيعتقدون في أنفسهم أنهم الأقوياء تحولوا إلى حفنة من المتآمرين يتهم بعضهم بعضا بالتواطؤ والفشل في قيادة هذا الإضراب الذي شل الحياة في البلاد لأكثر من شهرين، وتسبب في خسائر فادحة للاقتصاد الوطني لا يمكن تعويضها، خاصة في مجال العملة الأجنبية، فقد خسرت فنزويلا دخلا من بترولها يقدر بحوالي ستة مليارات دولار، بعد أن تحولت تصدير ثلاثة ملايين برميل يوميا من البترول الخام إلى استيراده لتغطية احتياجاتها اليومية، وهو ما اعتبره المراقبون نجاحا للرئيس شافيز وحكومته، التي نجحت في الحفاظ على السعر الرسمي لمشتقات البترول في الداخل، وهو سعر يكاد يكون رمزيا. إذا كانت الولايات المتحدة قد خسرت الجولة الثانية بفشل الإضراب في تحقيق أهدافه، بعد الفشل الذي منيت به في الجولة الأولى خلال محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في أبريل الماضي، فإن هذا الفشل يضاف أيضا إلى فشل رجال الأعمال الفنزويليين في لعب دور جنرالات الماضي، وأصبح مشكوكا أن يعودوا إلى لعب هذا الدور مجددا، بعد أن ثبت أن شعبيتهم قليلة جدا، وأن الشعب الفنزويلي لا يزال يذكر لهم دورهم في فساد الماضي، وتحول من سار خلفهم إلى ضدهم لأنهم خسروا أعمالهم: الكثير من رجال الأعمال أغلقوا مصانعهم بعد الخسائر التي أصيبوا بها خلال الإضراب، وأكثر من ستة آلاف عامل من عمال البترول البالغ عددهم ما يزيد على أربعين ألفا فقدوا عملهم بسبب تأييدهم للمضربين. لكن من المؤكد أن المضربين في فنزويلا كانوا سببا في خسارة وطنهم لحوالي 10 في المئة من الدخل القومي لهذا العام، خاصة بعد توقف تصدير البترول خلال تلك الفترة والذي حرم البلاد من 80 في المئة من دخلها من العملات الأجنبية، وهذا سينعكس بالسلب على الاقتصاد الوطني خلال الأعوام المقبلة. سحب البساط من المؤكد أيضا أن الرئيس المنتخب ديمقراطيا هوجو شافيز لم يخسر سياسيا في هذه المعركة «الاضرابية»، ويشهد بهذا أعداؤه، بل حدث العكس تماما، فقد خرج منها أقوى مما كان بعد أن تخلى جزء كبير من الشعب الفنزويلي عن سلبيته وبدأ يؤيد الرئيس في مواجهة منظمي الإضراب، بعد أن تبين أنهم ليسوا سوى «دمى» في أيد خارجية تحاول العودة إلى السيطرة على ثروات البترول، وإعادتها إلى زمن الأحزاب التقليدية التي استنزفت تلك الثروة. نجحت الحكومة الفنزويلية أيضا في سحب البساط من تحت أقدام المعارضة بإصرارها على إنهاء الإضراب، وقيامها باحتلال المصانع وتشغيلها بشكل جزئي، وقيام الجيش بعملية توزيع المنتجات في الأسواق، مما خفف من حدة تأثير الإضراب على الجماهير، وهو ما حدث أيضا في قطاع البترول الذي نجحت الحكومة في استبدال خبرائه بخبراء تم تدريبهم على عجل، ونجحوا في تشغيل الآبار وتسيير السفن الناقلة، وحتى مصانع التكرير مما أعتبر ضربة قاصمة للمعارضة التي حاولت استخدام هذا القطاع للضغط على الحكومة باعتباره قطاعا استراتيجيا، وجاءت أحكام المحكمة العليا في هذا الشأن مؤيدة لخطوات الحكومة في فصل العمال المضربين وزعمائهم، لأنهم تخلوا عن واجبهم الوطني في تشغيل قطاع حيوي مؤثر في اقتصاد البلاد. أثبتت حكومة الرئيس هوجو شافيز أنها أكثر قوة من خلال الالتزام ببرنامج الحكومة الاجتماعي خلال الإضراب، فقد قامت الحكومة بتنفيذ جزء كبير من عمليات مصادرة الأراضي الحكومية التي كان بعض الأفراد قد استولوا عليها بدون وجه حق خلال فترات الفساد الإداري السابقة، وقامت بتوزيعها على مستحقيها، مما حقق لها مؤيدين في القطاع الريفي من البلاد. وما يعتقد البعض، أو يروج له على انه انتصار جزئي للمعارضة بعد قبول الرئيس هوجو شافيز تدخل لجنة «الدول الصديقة لفنزويلا»، التي فوضت الرئيس الأميركي جيمي كارتر للحديث باسمها، لا يعتبر انتصارا بأي مقياس من المقاييس، ومن يعتقد من هؤلاء أن قبول الرئيس شافيز لإجراء استفتاء عام على رئاسته 19 أغسطس المقبل يعتبر انتصارا لهم واهمون، لأن هذا الاستفتاء منصوص عليه في الدستور الفنزويلي المطبق حاليا، وأعلن الرئيس شافيز قبوله منذ البداية ولكن في الموعد المحدد دستوريا، إلا أن المعارضة كانت متعجلة وتريد إجراء هذا الاستفتاء في يناير الماضي، وكان لإصرار الرئيس على تطبيق الدستور ورفض المعارضة الالتزام بمواد الدستور تأثير سلبي على موقف المعارضة في الشارع السياسي، بعد أن بدأت الجماهير تكتشف أنها معارضة لا ديمقراطية، وأن هدفها ليس مصلحة البلاد بقدر ما أنها تهدف إلى تحقيق مصالح شخصية لزعمائها على حساب الوطن. مؤشر عملي أما ما تتحدث عنه وسائل الإعلام المعادية للرئيس هوجو شافيز على انه نجاح للمعارضة، بعد أن بدأت في حملة جمع توقيعات لإجبار الحكومة على إجراء انتخابات عامة مبكرة لا يقول الحقيقة، لأن جمع التوقيعات والتحقق من صحتها ومطابقتها بجداول الانتخابات تحت رقابة قضائية مسألة تحتاج إلى وقت طويل، ولا يمكن أن تتم ـ حسب قول الخبراء ـ قبل مضي وقت تكون الانتخابات العامة قد حل موعدها بالفعل طبقا لنصوص الدستور، وهو ما يعني أن عملية جمع التوقيعات من جانب المعارضة لم يكن مبررا، ولو انهم ديمقراطيون بالفعل لكان يمكنهم الانتظار حتى يحين موعد الانتخابات العامة، ويقدموا مرشحا بديلا عن الرئيس هوجو شافيز، وهو ما يبدو العقبة الرئيسية الآن أمام المعارضة في فنزويلا، فلم يبرز خلال هذا الإضراب زعيم سياسي واحد يمكنه أن يكون مرشحا مقبولا من قطاعات عريضة من الشعب الفنزويلي، ولذلك لا يتوقعون نجاحا للمعارضة حتى في حالة إجراء انتخابات مبكرة، حتى أن المراقبين بدءوا يتساءلون عن الموقف في فنزويلا إذا نجح الرئيس شافيز في الحصول على أغلبية في استفتاء أغسطس المقبل أو حصل من جديد على أغلبية تؤهله للبقاء في الحكم. لكن من المؤكد أن ما حدث في فنزويلا قد تكون له آثاره على ما ينتظر حدوثه في المستقبل في المناطق التي تحاول التخفيف من الآثار السلبية للعولمة «المتوحشة» بشكل عام، وفي منطقة أميركا اللاتينية بشكل خاص، ويمكنه أن يكون درسا لكل من يعتقدون أن الهيمنة الأميركية واقعة لا محالة في ظل تبجحها في منطقة الشرق الأوسط، لأن الموقف في فنزويلا يعتبر مؤشرا واقعيا على إمكانية قيام دول صغيرة برفض هذه الهيمنة، فقد جاءت فنزويلا لتؤكد أن الطريق الذي تسير عليه كوريا الشمالية في المجابهة مع القوة الأعظم ممكن أيضا، ويمكن حدوثه في أي منطقة من العالم. الهيمنة ليست حتمية إذا وجدت من يجاهر برفضها، والقوة الأعظم يمكن هزيمتها سياسيا وبلا حرب. ـ كاتب مصري مقيم في أسباني