الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 لماذا يصر بعض الازواج على اصدار احكام نهائية على شخصية الزوجة من شأنها ان تجفف منابع العاطفة الذكية لديهم، وتبني جدارا سميكا يصعب من خلاله الاصغاء الى الصوت الآخر، او القبول برسائله الايجابية، ومحاولاته المتكررة لتقديم صورة مغايرة عن الصورة الذهنية التي تكونت في السابق؟ ان الازواج المتبصرين هم اولئك الذين ينظرون الى النصف المليء من الكأس، ولا يشترطون الكمال في الطرف الآخر، يغلبون مصلحة الابناء على اي مصلحة اخرى ويزنون الامور بميزانها الصحيح. ولأنهم يتمتعون بالصحة النفسية فمن السهل عليهم ان يفترضوا حسن النية وراء تصرفات زوجاتهم، ويبحثوا دائما عن فرص انعاش الرابطة الزوجية وتدعيمها بالقدر الذي يضمن استقرار الاسرة ويبنى جسور الثقة بين افرادها. ومن المؤكد ان تنبؤات نجاح الاسرة القائمة على الرغبة في تجنب الخسائر وتنمية الصدامات والحسابات الخطأ تتزايد باستمرار لتصنع بيئة مثالية تتفتح فيها ملكات الابناء الفطرية مبكرا، وتسود اجواء صحوة تعودهم على التفكير المنظم والمنتج، وكيف لا؟ والنموذج الذي يضربه الاباء يولد لديهم دوافع التقليد والمحاكاة، ويعزز لديهم الشعور بامكانية النجاح في ادوارهم المقبلة. كما تؤكد شواهد الحياة على ان من يربح دائما هو من يسعى لان يكسب ويشرك الآخرين في الكسب، هو الذي يحمل مرآة وليس مجهرا أو مكبرا، هو الذي لا ينتظر ان يحدث تحول جذري في كيان زوجته يحولها الى ملاك كامل يملك اروع المواصفات التي تخيلها الشعراء والادباء على مر العصور، وتجسد بين ناظريه مثلا على العطاء الانساني الذي لا ينتظر شكرا او مكافأة على الخير الذي يغرق به شريكه، والذي لا يطالب بحقوقه ويغض الطرف عن الاساءات والتجاوزات، هذه الصورة الموغلة في طلب الكمال، المندفعة نحو تضخيم الذات على حساب الطرف الآخر ليس لها في واقع الحياة وجود. والرجل الناضج هو الذي يبدأ بنفسه فيطالبها بأداء الواجبات التي عليها نائيا بنفسه ان يقف موقف المدين لغيره، ومنجذبا الى موقف الشريك العادل الذي يحترم مشروع الشراكة ويلتزم بمواثيقها ومطالبها المعترف بها شرعا وقانونا. ومن نافلة القول التذكير بأن مستقبل العلاقة الاسرية مرهون بتمثل قيم الحوار الصحي وتجسيد اهداف المؤسسات الراغبة في البناء والاستمرار والفاعلية. والغريب ان الازواج غير الديمقراطيين مع افراد عائلتهم الذين يرفضون تطبيق ابجديات الممارسات الديمقراطية في المنزل هم اول من يطالبون بها في الحياة العامة. فترى الواحد منهم لا يخجل ان يرفع عقيرته صارخا بأعلى صوته: «اطالب بالتعددية، وارساء مباديء الديمقراطية، حتى نتخلص من مشاكلنا المزمنة، ويتسنى لنا اللحاق بالدول المتقدمة» في حين ان مثل هذا الشخص هو دكتاتوري داخل بيته، يرفض ان يقبل نقاش اوامره وقراراته. فكيف يمكن حل هذا التناقض في هذه الشخصية الغامضة، وكيف يمكن ان نقتنع ان مجتمعاتنا قادرة على ان تمارس لعبة الديمقراطية على صورتها المثالية وثمة سقوط مدو في الاختبار المبدئي الذي تتيحه الحياة ليتدرب الانسان فيه على تقبل آراء الآخرين تشهد عليه اركان المنزل، وتنطق به التجارب اليومية المليئة بالتوتر والاتهامات المتبادلة؟ ان من يعجز عن اجراء حوار ودي مع زوجته وابنائه سيكون اكثر عجزا عن تقبل الخلاف والتباين في الآراء والتصورات الصادرة من الاخرين ومن لا يمارس نقدا موضوعيا لافعاله واقواله ويرى نفسه دائما على حق لن يستطيع ان يرفع من سقف الحوار الذي يجمعه بالمعارضين لتوجهاته، ومن يفشل في استحضار الاهداف المشتركة التي تجمع بينه وبين عائلته لن يستحضر الاهداف المشتركة التي تجمعه بالمحيطين به في الخارج، والسؤال الاخير الذي اترك اجابته لكم: هل الذي يدير بيته تحت قانون الطواريء، وينزل احكاما قمعية على المخالفين له في الرأي، ويصر دائما على فرض آرائه بالقوة هو شخص مؤهل نفسيا واخلاقيا لينتصر لمباديء الحرية والعدالة؟! مجرد سؤال ارجو ان تتوفر له اجابة مقنعة!