الجمعة 13 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 14 فبراير 2003 بغداد في المحنة وحدها، والاشقاء في عجز وهوان يترقبون، رغم علمهم بأن الدائرة ستدور عليهم بعد العراق، بالضبط كما حدث في مثل يوم غد ـ الخامس عشر من فبراير ـ منذ سبعمئة وخمس واربعين سنة، حين زحفت جحافل التتار، واجتاحت بغداد، وعاثت فيها حرقا وتخريبا وقتلا وابادة، حتى انه ـ كما وصف الامام السيوطي ـ «بلغ القتلى اكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم الا من اختفى في بئر او قناة». «حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين». هكذا ظن ابن الاثير في «كامله» ولم يخطر بخياله ان في جعبة الدهور موجة اخرى من التتار، وانها ـ مثل سابقتها ـ ستعم الخلائق، وتخص المسلمين. كارثة بغداد سنة 1258، كما سجلتها صحائف التاريخ سجلها ديوان العرب، ضمن فصل حزين منه، عرف بفصل رثاء المدن، تجمعت فيه قصائد كثيرة تصور نكبات الامة العربية والاسلامية في بعض روائع مدنها وعواصم حضارتها العظيمة. من ذلك قصيدة للشاعر الاندلسي ابن عبدون في رثاء دولة بني الافطس، ومطلعها: الدهر يفجع بعد العين بالاثر فما البكاء على الاشباح والصور؟ وأشهر من تلك القصيدة رائعة ابي البقاء الرندي في رثاء الاندلس، التي يستهلها بقوله: لكل شيء اذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش انسان ثم يمضي في وصف الكارثة، عارضا صور الخراب الذي لحق بعمران الاندلس وحضارتها، وصور الهوان والاذلال والاستعباد الذي ابتلي به المسلمون فيها: يا من لذلة قوم بعد عزهم احال حالهم جور وطغيان بالامس كانوا ملوكا في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان يارب ام وطفل حيل بينهما كما تفرق ارواح وأبدان وطفلة مثل حسن الشمس اذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان يقودها العلج عند السبي مكرهة والعين باكية والقلب حيران لمثل هذا يذوب القلب من كمد ان كان في القلب اسلام وايمان من ذلك ايضا ميمية باكية لابن الرومي، في رثاء مدينة البصرة حين اجتاحها الزنج وفعلوا فيها الافاعيل من الفتك والتخريب، وقد استهلها بقوله: ذاد عن مقلتي لذيذ المنام شغلها عنه بالدموع السجام اي نوم من بعد ما حل بالبصرة ما حل من هنات عظام اما محنة بغداد في جحيم المغول، فقد قيل فيها كثير من المراثى، اشهرها رائية باكية لتقي الدين بن ابي اليسر، مطلعها: لسائل الدمع عن بغداد اخبار فما وقوفك والاحباب قد ساروا؟ يا زائرين الى الزوراء لا تغدوا فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت به المعالم قد عفاه اقفار والقصيدة مملوءة بصور الخراب والهوان الذي ألحقه التتار ببغداد واهلها، كصور الذخائر المنهوبة، والدماء المسفوكة، ثم يقول الشاعر من هول الفواجع: ما كنت آمل ان ابقى وقد ذهبوا لكن أتت دون ما اختار اقدار ولأن بغداد حصن الارض العربية الشرقي، فان سقوطها فسح الطريق لهولاكو فزحف بناره واجتاح حلب ودمشق حتى شارف غزة، حيث صده اجناد مصر، وكانت نهايته على ايديهم، فبعثت بغداد من رمادها من جديد.. وفي العصر الحديث، كانت نكبة فلسطين مادة لافجع المراثي، ولاتزال. واليوم، وفي ذكرى كارثة المغول في بغداد، يضيق الخناق عليها ثانية، والاشقاء يرقبون في عجز وهوان غريب! ترى ماذا تخبيء جعبة الدهور لبغداد وللعرب من بعدها؟ وهل ستكون موضوع رثاء جديد؟!