الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 كيف ترضى عن نفسك اذا لم تتخذ قرارات عظيمة؟.. حقا إن الظروف لا تسمح لك بذلك فأنت لا تستطيع مثلا أن تضيف الى الأخبار خبراً واحداً مفرحاً. ولكن عليك أن تعترف أن العظمة اختلفت في هذا الزمن. فمثلا أعظم رئيس جمهورية في العالم هل يصلح فعلا لهذه الوظيفة؟ طيب! هل يصلح لأي وظيفة أخرى؟ لو كنت مدير مدرسة وتقدم لك ليعمل مدرسا هل تقبله؟ سيقول أحدهم إنه يتحدث في خطاباته كأنه مدرس يشرح درسا، ولكن ستجد من يقول لك إن طريقة حديثه هذه آتية من أنه يحفظ ما يقول ويخشى أن ينساه، ولن تعدم حقودا يقول إن طريقة كلامه سببها تخلف عقلي وراثي في الأسرة. ولا أظنك كمدير مدرسة تقبل بالسيد الرئيس في هذه الوظيفة. وبالطبع سيجد صعوبة في وظائف أخرى لجهله الشديد بأمور الدنيا والعلم. ومع ذلك فهو رئيس أعظم دولة في العالم. أرأيت كيف تتغير الأمور؟ لذلك ليس صعبا أن اتخذ قرارا عظيما خاصة اذا كان هذا القرار لا يخص أحدا غيري. والقرار العظيم الذي اتخذته هو أن أكون سعيدا في هذا العيد! هل هو مطلب صعب؟! وسألني أحدهم بدهشة: لماذا؟ ورأيت سؤاله غريبا، فالانسان منذ بدأ على ظهر الأرض، وهو ينشد السعادة، حقا يعاني الكثير، لكن ما يعانيه هو وسيلة للوصول الى السعادة. وسوء حظ الانسان أن نفس الأشياء التي تصنع السعادة هي التي تسلبها كالمال والأولاد والطعام والنساء، والملذات. ما الغريب في أن أسعى مثل غيري الى السعادة؟ وأن أخصص ذلك في أيام العيد، وأظنك تقرأ هذا الحديث في ثالث أيام العيد وأنا في قمة السعادة! ولم يعد بعد اتخاذ القرار إلا البحث عن الوسيلة، وتذكرت صديقنا القديم (منذر) كان يدرس معنا في الجامعة. وكانت بلاده تعاني ظروفا قاسية. وكنا نتعاطف معه لكن حالته النفسية لم يكن لها علاقة بما نعرفه. وكان يأتي الى الكلية ويقول: أنا اليوم متجهم! ولا يقول لنا لماذا هو متجهم؟.. ولا نعرف حتى لو بحثت أسباب تجهمه. ويأتي في يوم ثان ويقول: أنا اليوم مبتسم. وأظن أنني اقتبست فكرة قراري من (منذر) الذي لا أدري ما حدث له بعد أن عاد الى بلاده. وعندما سألت عنه ذات مرة قال لي أحدهم: إما أنه وزير وإما أنه في السجن! ولكنني لم أستطع أن أصل الى مستوى (منذر).. فلا يكفي أن تقول إنك سعيد لتصبح سعيدا. وبمناسبة منذر كان لنا زميل اسمه سعيد لم نر أتعس ولا أنحس منه. كان أشطر المجموعة رغم ظروفه السيئة. وبعد أن تخرجنا عملنا كلنا، فلقد كانت البطالة غيرها الآن. وأنا مثلا عملت قبل أن أتخرج. وطالت البطالة بسعيد فتوسط له بعضنا للعمل في مدرسة خاصة ،عمل فيها عدة أشهر ولم يحصل على راتب. قدم في جميع مسابقات الأعمال ونجح فيها وكان ترتيبه الأول، ومع ذلك فلم يعين في أي وظيفة. وأصبح من روتين زميلنا سعيد أن يتقدم الى أية وظيفة أياً كانت ومن تقدم له وظيفة لم يكن أمثالنا يحلمون بها، فلقد كانت تتطلب حسبا ونسبا واجادة عدة لغات وواسطة جبارة، ووجاهة متوازنة، وفوجئنا جميعا بنجاح سعيد. وفوجئ هو أيضا، بل لقد ذعر إذ كيف يتلاءم مع هذه الوظيفة المتميزة؟ وكان يوم استلام سعيد لوظيفته يوم عيد لجيلنا كله. استضافه أحدنا ليلتها في بيته ليكون قريبا من مقر عمله. وتبرعنا له بمبلغ صغير ليشرب شيئا على حسابه في العمل. وأقرضته ربطة عنق تتماشى مع بدلته الكالحة التي حاولنا اصلاح شكلها. وأيقظنا مضيفه من النوم وقال لنا إن سعيد توفي قبل أن يذهب إلى عمله الجديد! حتى لو كان اسمك «سعيد» حتى لو اسمتك اسرتك بهذا الاسم فهذا لا يكفي لابد للقرار من وسائل تنفيذ قوية. قررت أن أزيل كل أسباب التعاسة مثلا حشد كل هذه القوات لحرب العراق. وتوحش شارون في سفك دماء الفلسطينيين. والانسحاب العربي من مسرح التاريخ. كل هذا لا يحدث ان شاء اللّه وما الذي يجعله لا يحدث؟ بالطبع لا يملك أحد فينا القدرة على إلغائه. لكنني أظن أنني قادر على إلغائه. اتصلت بالسيدة مديحة التي لم اقابلها في حياتي، لكنني أعرف أنها المسئولة عن توزيع الصحف في حي «الندى» حيث أسكن. طلبت منها ألا ترسل لي الصحف في أيام العيد. قالت: أحتفط لك بها بعد العيد! أكدت عليها ما طلبته. أبدت الدهشة لكنها استجابت للطلب. وأنا عندما أستيقظ أسير مغمض العينين الى الباب أفتحه وآخذ الصحف من مكانها. وأبدأ في قراءتها وبعدها أمارس ما يمارسه الناس في الصباح. وبالطبع هذا ينكد عليّ، لكنني أفضله كثيرا عن قراءة الصحف ليلا، فمنذ نحو ربع قرن والصحف اليومية في القاهرة تصدر طبعتها الأولى ليلا، ولذلك يسارع البعض لقراءة أخبار الغد. ولقد جنبت نفسي والحمد لله هذه الظاهرة. فالأخبار السيئة ـ وهناك دائما أخبار سيئة ـ تستطيع الانتظار حتى الغد. وكان سعد الدين وهبة من كبار قراء الصحف ليلا، وأحيانا كان يطلبني تليفونيا بعد قراءة خبر، ويبدي دهشته لعدم قراءة الصحف ليلا. ولكنني قلت له إنني جربت هذا مرة أو مرتين فلم أنم حتى الصباح. انتهينا من النقطة الأولى، والسيدة مديحة تجيد عملها. النقطة الثانية هي الهروب من البيت، لابد من الذهاب الى مكان آخر.. الاسكندرية؟ هناك قضية لم تحل بعد في إحدى الجمعيات التي أشارك فيها. سيأتي اليّ بعضهم يتحدثون عن الأمور من زاويتهم، ويأتي الآخرون ليتحدثوا من الزاوية الأخرى. وستضيع الاجازة في نقاش طويل عقيم. وبالطبع يتناقض هذا مع قراري العظيم. ووصلت الى الحل الجميل. ولولا أنك تقرأ هذا يوم الخميس ما صرحت باسم المكان. سأسافر الى مدينة بورسعيد وهي مدينة هادئة تطل على البحرين الأحمر والمتوسط. ولقد تآلفت معها منذ سنوات طويلة، واتخذتها مكانا للعمل حيث أهرب اليها كل فترة. ومن مزاياها أنني لا أعرف فيها كثيرين. طيب، والتلفزيون؟ لقد أصبح المقتحم الأول بالأخبار السيئة. اتصلت بالفندق الذي حجزت فيه: ـ هل لديكم تلفزيون في الغرف؟ ـ طبعا يا استاذ 26 بوصة. والدش اخترنا منها 32 محطة كلها مؤدبة والحمد لله. أما بعد الثانية صباحا فهناك محطات أقل أدبا! ـ قلت له: في الثانية صباحا أكون نائما، والذي يشاهد التلفزيون هم الأحفاد. ارفع أجهزة التلفزيون! ولم يصدق الشاب الذي أكلمه أنني أطلب ما أطلبه. وأيضا لم يصدق الأحفاد المدمنون على التلفزيون وأضربوا عن السفر، ولكنني استخدمت معهم كل وسائل الاغراء. ولم يتراجعوا إلا عندما غمزت لهم أمهم ـ رأيتها والله ـ وأظن أن الغمزة معناها: دعكم منه فهو عجوز مخرف.. وسنفعل ما نريد هناك! وجلست أستعرض الموقف. رأيته صعبا جدا، فأنا أحاول أن أسد السموات والأرض حتى لا تصل اليّ شرور الدنيا، وقد كثرت، وأصابني اليأس، وقلت لنفسي إن قراري العظيم بأن أكون سعيدا قرار صعب. حقا لم أتنازل عنه، لكنني أدركت صعوبة تنفيذه. ثلاثة أيام قررت أن أكون فيها سعيدا. هل هذا كثير؟ هذه الأيام تنتهي اليوم. وأتمنى ألا يتصل بي أحد ليسأل هل أنا كذلك أم لا؟ لقد حاولت أن أسد مصادر الأخبار. لكن المنافذ صارت أكثر مما نحسب، هناك مثلا الموبايل.. حسنا.. سنغلقه.. ولكن ماذا يحدث لو أتى لك ما تريده من حيث لا تتوقع. كان يوما حارا في أغسطس أدرت التكييف وجلست أعمل. وكنت بعيدا عن كل مصادر الأخبار. دق جرس الباب، فتحت الباب لصبي الكواء سألني هل لدي شئ، أجبته بالنفي. وقبل أن أغلق الباب قال: هل عرفت لقد غزوا الكويت اليوم؟ يا ربي.. هل يدق عليّ أحد الباب في الفندق ويقول لي: غزوا كذا أو كذا؟! اطمئنوا عليّ بعد العيد!