الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 يتفق الباحثون في البلدان العربية على ان الدين الاسلامي هو الحافز الاكبر على العمل التطوعي والمبرر للنشأة المبكرة للجمعيات الخيرية. وكانت الصدقات الجماعية من فريضة الزكاة ومردود الاوقاف في حاجة الى هيئات أهلية لاستلام الموارد ولاحكام التصرف فيها. ثم ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبعد انتداب الاستعمارين الفرنسي والانجليزي في اغلب البلدان العربية مجموعة من التنظيمات الشعبية للعناية ببيوت الله وتحفيظ القرآن الكريم والمساعدة على البر والاحسان. ثم تواصل انتشار هذه الجمعيات اثناء الكفاح لتدعيم الحركات السياسية المناضلة من اجل الاستقلال والحرية. وتطور نشاط العمل الجمعياتي خلال النصف الثاني من القرن العشرين بعد الاستقلال جل البلدان العربية، وبدأ يكتسح فضاء ملموساً الى جانب العمل الحكومي في القطاع الاجتماعي وخاصة في مجالات رعاية الطفولة والاحداث والمرأة والأمومة والمسنين والمعوقين والايتام. كما اتجه العمل الجمعياتي العربي مبكرا الى الخدمات الرياضية والصحية والتعليم والثقافة والعلوم الى غير ذلك من مجالات النشاط التي تمارسها الجمعيات في مختلف أنحاء العالم. الا انه لا يمكن مقارنة النشاط الجمعياتي العربي بما يجد على الساحة العالمية، اذ ليست لدينا معلومات دقيقة عن حجم الجمعيات العربية ولا دراسات معمقة عن جدوى هذا النشاط. فالمعلومات متضاربة للغاية والباحثون مترددون في اعتماد ما يقدم اليهم من مراجع وبصورة عامة فان الملاحظ يسجل النقص الكامل في هذا المجال، للدراسات حول الاعلام الجمعياتي والفضاء الضيق الذي تخصصه الصحافة العربية لانشطة الجمعيات حجما ونوعية وكيفا. فالتغطية الصحفية لنشاط الجمعيات في وسائل الاعلام العربية هي تغطية محدودة ويعود ذلك الى نمط الاعلام الذي كان سائدا في الكثير من المجتمعات العربية والذي لا يهتم كثيرا بما تحاول نشره الجمعيات الأهلية والتعريف به في مجتمعات تعودت على فعل الخير من أجل كسب رضاء الله وبواعث الرحمة ولا يحتاج ذلك الى تطبيق ودعاية. وفي هذا الصدد فلا بد من الاقرار بأن الخطاب الجمعياتي الاعلامي العربي مازال يشكو فقر المادة الاخبارية من جهة وقلة تنوع أساليب الصياغة من جهة اخرى، فما لم تصنع الجمعية العربية الحدث وما لم تحسن صياغة الخبر وتقدر على اعداد الملفات الاعلامية القابلة للاستغلال فانه لا يمكنها ان تحظى بمساحة تحريرية في جريدة كبرى او بحيز زمني في برنامج تلفزيوني ذي انتشار واسع. والظاهر هو ان الجمعيات العربية في اغلبها ليست مهيأة حتى اليوم لتوظيف الاعلام في نشاطها. واذا ما توفر هذا الفهم فكثيرا ما تعوزها الامكانيات والارادة الجماعية فهي تمر عند التأسيس بفترة من الحماس المفرط لكن سرعان ما يتضاءل تحركها ويتجمد نشاطها وبديهي في هذه الحال الا تجد الدعم المادي والاحاطة الاعلامية المطلوبة. والمعروف ان الخطة الاعلامية تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية وهي الانسجام، والجدوى، ووضوح الرؤية. وتطور الاعلام الجمعياتي في المنطقة العربية هو رهين بتطور الحياة الجمعياتية في حد ذاتها، وسوف يزدهر هذا النمط الاعلامي يوم تعتمد الجمعيات سياسات اعلامية واضحة وتعتبر الاعلام اختصاصا وعلما وحقلا معرفيا وضربا من ضروب النشاط البشري القائم بذاته. ومما يدعو الى التفاؤل هو ذلك التطور الذي يسجله في السنوات الاخيرة قطاع المجتمع المدني العربي والمتمثل في تأسيس عدد رفيع من الجمعيات، وظهور أنماط جديدة من الهيئات المتخصصة تستجيب للاحتياجات المتميزة، والاهتمام بتدريب المتطوعين بهذه المنظمات، والعناية بالبحوث والدراسات التي ترتبط بهذا الميدان. وقد رافق هذا التوجه تطور في لغة الخطاب السياسي العربي الذي أصبح يساند مؤسسات المجتمع المدني ويدعوها الى المساهمة، الى جانب الحكومات ومؤسسات القطاع العام، في مجابهة مختلف الاشكاليات والى المشاركة في معالجة القضايا على مختلف المستويات. ولابد من الاشارة في هذا الصدد الى ما اصبحت تجده الجمعيات من مساندة لدى عدد من قادة البلدان العربية الذين يرون في العمل الجمعياتي رافدا لعمل الدولة ومكملا له في الميادين الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تحتاج الى الاضافة والافادة ويدعون الى احكام التعاون بين الجمعيات والهياكل الحكومية والمؤسسات العمومية المعنية وايجاد الصيغ العلمية الملائمة التي تمكن من تحقيق التكامل بينها بهدف بلورة برامج ميدانية محددة تتبناها الجمعيات وتقدم لها الهياكل الحكومية الدعم والمساندة. وبصورة عامة ان الجمعيات الأهلية تقوم رغم النقائص المذكورة بدور ملموس في عدد من البلدان العربية وانها مدعوة اليوم الى مراجعة اساليب عملها وطرق تصرفها وتنظيمها، وقد تميز البعض من جمعيات الاتصاليين والاعلاميين بنشاط ملحوظ وحضور فعال عبر شبكات الاتصال الحديثة وعبر شبكة الانترنت بالذات. فالمطلوب من هذه الجمعيات ان تقود المبادرة وان تكون في خدمة الجمعيات الاخرى وتساعدها بالخبرة والنصح، كما ان مختلف المنظمات غير الحكومية مدعو الى تحقيق برامجها بالتعاون فيما بينها. ولنا في تجارب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الاميركية التي سبق لنا عرضها مناهج عمل واضحة ومجالات فسيحة للمبادرة. فان تدققت الرؤى وتوضحت الاهداف وضبطت المشاريع وقدرت التكاليف، فاننا نكون قد تجاوزنا جل الصعوبات وخطونا خطوات حثيثة للنهوض بالقطاع الثالث وتأهيله للمشاركة في بناء مجتمع المعلومات والاتصال. ودور هذا القطاع في بناء المجتمع الجديد حاسم وعليه يتوقف مستقبل البلدان العربية. ـ كاتب تونسي