الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 قدم ولي العهد السعودي، في أواخر شهر يناير لعام 2003 مشروعاً للاصلاح السياسي، على نطاق قومي عربي، وقبل ذلك، عرض وزير الخارجية كولن باول مبادرة للاصلاح الديمقراطي والثقافي في منطقة الشرق الاوسط، ولسنا هنا بصدد مناقشة هذين الحدثين، ولكن ما نريد تأكيده ان العرب اصبحوا اليوم، أكثر من اي وقت مضى، بحاجة الى اجراء اصلاحات جوهرية على جميع الصعد، من خلال مراجعة نظرياتهم وسلوكياتهم القديمة، والسير في دروب جديدة تساير العصر وتتناغم مع مستجداته. واحدى المقاربات المهمة في هذا المجال اعادة النظر في طرائق التفكير العربي في مختلف مجالات الحياة، وقد لفت نظري مؤخراً كتاب حديث صدر في دمشق في نهاية عام 2002، عن دار الاهالي، للمفكر السوري والدكتور كريم ابو حلاوة. وهو بعنوان «نحو عقل تواصلي» وقد وجدت فيه الكثير مما يمكن الاستئناس والاهتداء به في مجال نبذ انماط تفكيرنا الخاسرة، وابتداع رؤى اخرى لمواجهة مستلزمات العصر. فدعنا اذن نناقش بعض ما جاء في هذا الكتاب القيم الذي يبدأ بمقدمة حول أهمية الحوار ودوره في تحقيق التواصل وتبادل الرؤى والآراء حول قضايا المصلحة العامة. مشروعية الاختلاف يرى المؤلف ان هذا الحوار يجب ان يقوم على مفاهيم التعددية واحترام الرأي الآخر والاقرار بمشروعية الاختلاف، وهو يأسف لان ما نشهده من الحوارات في الشاشات الفضائية العربية، يدل على رفض الرأي الآخر ونفيه، بل واتهام صاحبه بالجهل او الخيانة او الكفر، بهدف اقصائه وتهميشه، ويصر الدكتور ابو حلاوة على ان الحوار حاجة ملحة في البيت والمدرسة والجامعة والعمل ومؤسسات الدولة، وفي الوطن بأجمعه، ولاشك ان من شأن الغائه ان يؤدي الى تكريس القطيعة بين الرؤى والتيارات والافكار المختلفة، مما يهيء البيئة المناسبة لتراك الاحتقان وتوالد التعصب والعنف. اما الحل فيكمن في تعميق الحوار وترقيته بحيث يعبر فيه كل طرف عن آرائه وطموحاته واهدافه باساليب سليمة استناداً الى الحجة والمنطق، من اجل التوصل الى قواسم مشتركة تأخذ في الحسبان اختلاف الناس في تنوع ثقافاتهم وتمايز ولاءاتهم وتباين طرق نظراتهم الى الحياة، دون ان تتناقض مع حاجات المجتمع ومصالحه. وينتقل الكتاب بعد ذلك الى الآثار الثقافية للعولمة، وهي الظاهرة التي ادت الى الخوف من فقدان الهوية والاقتلاع الثقافي لدى العديد من الشعوب والفئات الاجتماعية التي تزداد هامشيتها وضياعها، وتتسلح العولمة بتكنولوجيا الاخضاع لفرض الغلبة الحضارية وتسويغها، على ما يرى المؤلف، اما الموقف تجاهها، فيجب ان يستند الى تجنب الرفض الانفعالي او القبول المجاني لها، لان الاثنين لا يغيران من الامر الواقع، ويرفض الدكتور ابو حلاوة الجانب الهيمني الاحادي من العولمة، والذي يكرس التفاوت بين الشمال والجنوب، وبين الاغنياء والفقراء. كما يستهجن المعايير المزدوجة وتسخير مؤسسات المجتمع الدولي لمصلحة الاقوى، ويأسف لان العولمة التي كانت تعني تلازم الديمقراطية وحرية السوق، اصبحت تعاني من اختلال التوازن، لصالح السوق وعلى حساب الديمقراطية. وهو يعترف بأن ما نستطيع فعله، ليس الغاء العولمة، وانما تخفيف آثارها السلبية وتفاعلاتها غير المرغوبة، من خلال تعاون منظمات حقوق الانسان وحركات حقوق المرأة والطفل ومؤسسات حماية البيئة ومكافحة الفقر، والتي قد يؤدي ازدياد انتشارها والاعتراف بها الى تشكيل نواة لمجتمع مدني عالمي يمكن ان يشكل فضاء ديمقراطياً لفعاليات تبشر بعولمة بديلة وهكذا فإن الرد ينبغي ألا يتمثل بالتقوقع والانكفاء والخوف المبالغ فيه على الهوية الثقافية، لان هذه ردود فعل سلبية وربما ستار يحجب الخشية من الافكار النقدية العالمية التي من شأنها زعزعة مواقع النخب السياسية والثقافية. المهم اذن، كما يرى الكتاب، ان تقيم ثقافتنا حواراً داخلياً بين اتجاهاتها وتياراتها وافكارها يؤدي الى اعادة وحدة الفضاء الثقافي العربي بما يضمن تداول الافكار والمنتجات الادبية والفنية وتحرير النشاط الابداعي من الممنوعات والمحرمات، ويشير المؤلف الى ان بعض الباحثين والعلماء ورجال الفكر والساسة العرب، استطاعوا تقديم صيغ وتصورات لبناء استراتيجيات بديلة للعولمة الراهنة ومنها: صيغة الحوار الحضاري بين الامم والثقافات، وصيغة عالم متعدد الاقطاب، وصيغة بناء مجتمع مدني عالمي يغتني بالحوار والتنوع والمشاركة. وفي مكان آخر يحلل المؤلف مفاهيم تتعلق بالعقل والعقلانية، مشيراً الى ان العقل العربي الفعال غادر البيئة الاسلامية والعربية ليباشر فعاليته في وسط حضاري آخر. وهو بالطبع يقصد بذلك هجرة الادمغة والكفاءات العربية الى الخارج. وللاسف، كما يبين الرجل فإن اللاعقلانية هي التي تحكم حياتنا اليوم، في مستويات النظر والعمل، معا وكذلك في الفكر والممارسة، كليهما. ويورد المؤلف حوادث عديدة تثبت رفض العرب للرأي الآخر وغياب العقلانية عن مسرح حياتهم، ومن ذلك تحريم نزول المرأة الى ميدان العمل اما الحل لمثل هذه السلبيات فيكمن في اعادة تفعيل دور العقل من خلال اطلاق حرية الفكر. ويرى الدكتور ابو حلاوة ان فترات الازدهار في تاريخ العرب والمسلمين تقترن مع لحظات الحرية التي نعموا بها، وهو في هذا يتفق مع المفكر السوري الدكتور حافظ الجمالي الذي اورد آراء مشابهة في كتبه المختلفة. ويدعو المؤلف الى اسقاط الكثير من البديهيات والمعتقدات التي حسب اصحابها انها فوق الزمن والمتغيرات. وهذا يناظر ما اوردته ـ اي كاتب هذا المقال ـ في كتابي «نحو تفكير جديد» حول ضرورة اعادة النظر في بعض الافكار والمفاهيم والاحكام العربية العتيقة البالية التي لم تعد تتناغم مع تطورات العصر. استشراف المستقبل ويتعرض الكتاب لموضوع الشورى والديمقراطية، مبيناً ان كلتيهما ترتبطان بالشرعية في نظام الحكم، ولكن النتائج والفتاوى المنبثقة عن الشورى غير ملزمة للحاكم، اما الديمقراطية، فليست في رأيه مجرد نظام سياسي او صيغة للسلطة، وانما اسلوب للحياة في كافة مجالات المجتمع كالمدارس والنوادي والمصانع والنقابات والجامعات، بالاضافة الى كونها فضاء لحرية الرأي والمعتقد وللاحتكام الى الشعب والمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين وصولاً الى التداول السلمي للسلطة استناداً الى مبدأ الاقتراع، وفي كتابنا «الديمقراطية والاعلام» كنا قد اوضحنا ان ممارسة الديمقراطية لا تقتصر على مستويات السلطة والحكم، وانما تتعداها الى كافة اشكال السلوك البشري في مجمل الحياة. وفي مجال استشراف آفاق المستقبل، يناقش المؤلف رؤيتين مستقبليتين، احداهما للباحث الاميركي تشارلز ويليام ماينز، وهي رؤية متشائمة ترسم مستقبلاً قاتما للمنطقة العربية وتتنبأ بغياب السلا واضمحلال الموارد واحتدام الصراع على المياه، اما الرؤية الثانية فهي للدكتور حسن حنفي وهي متفائلة اكثر من اللزوم وتتنبأ بأن روح التاريخ ستعود من الغرب الى الشرق وان العرب سيباشرون تجديد مسيرتهم وركوب قطارهم الخاص بدلاً من ان يركبوا قطار غيرهم، وينتقد الدكتور ابو حلاوة هذه الرؤية ويعدها مخالفة للواقع الراهن ومجرد تلبية لحاجة نفسية. وانا بالطبع اتفق معه في هذا النقد، ولا اشعر بالتفاؤل من المستقبل، إلا اذا استطاع الانسان العربي ان يتغلب على نزعته الفردية الانانية المفرطة، وكفت النخب عن التشبث العجيب بكراسي السلطة واغراءات الحكم، وهذا امر يبدو مستبعداً في المستقبل المنظور على الاقل. وهكذا نجد ان المفكر والباحث ابو حلاوة قد زودنا بأفكار وآراء قيمة بأسلوب واضح ومتين، حول قضايا حساسة مختلفة تجمعها فكرة مركزية تتلخص بضرورة ابتداع رؤى وممارسات جديدة تختلف عما اعتدنا عليه، وذلك من أجل شق طرق عملية للاصلاح القومي والسياسي في الاقطار العربية. ولا تستطيع النخب ان تحقق مثل هذا الاصلاح من الداخل وان تمنع فرضه من الخارج، إلا اذا اعتمدت على افكار اهل الفكر والعلم والثقافة، بعيداً عن جماعات الزلفى والنفاق. ـ كاتب سوري