الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 «بيوريا» مدينة أميركية صغيرة تتوسط المسافة بين مدينتي شيكاغو وسانت لويس في قلب الولايات المتحدة. «بيوريا» مدينة عمالية صناعية كان يمكن أن تظل مجهولة منزوية لولا أن وقع عليها الاختيار.. اختيار خبراء إستطلاعات الرأي العام لكي تكون ترمومتر الرأي العام في أميركا.. أو تكون المسطرة التي يقيسون بها أذواق الناس..إتجاهاتهم.. ردود أفعالهم والمواقف التي يمكن أن يتخذوها إزاء السياسيين والفنانين والمفكرين. هكذا دخلت إلى قاموس السياسة الأميركية المعاصرة المقولة الشهيرة التي تبدأ بسؤال: ـ ما رأي الناس في بيوريا . ـ إليها سافر الصحفي الإنجليزي «أندرو جامبل» يطرح على الناس السؤال الذي بات يشغل بال أميركا والعالم الآن: ـ ما رأيكم في الحرب ضد العراق؟ وحين نشر الكاتب البريطاني نتائج التحقيق ـ الإستطلاع الذي أجراه في بيوريا (الأندبندنت، 28/1/2003) انقسمت الأراء إلى مؤيد ومعارض: المؤيدون قالوا: إن الرئيس بوش يعرف ما يفعل.. والناس بحاجة إلى أن يثقوا. المعارضون كانوا أكثر وعيا وأشد وضوحا ولم يكتفوا بحكاية حاجتهم إلى الثقة في الرئيس قال المعارضون بوضوح قاطع: إن الحرب على العراق لا ضرورة لها.. والشعب الأميركي لا يساندها ولا يؤيدها. واشنطن والصقور لكن من يقرأ ومن يسمع في واشنطن؟ تحكمها إدارة يتحكم بها صقور الحرب وفي مقدمتهم رجل البنتاجون الأول رونالد رامسفيلد ومعاونوه ثم أن المؤيدون اكتفوا ـ كما رأيناـ بحكاية أن رئيسهم يعرف ما يفعل وهم بهذا عمدوا ـ على الطريقة الأميركية إلى إحالة الموضوع برمته إلى الشخص المتخصص أو المتفرغ لمعالجة القضية ومن ثم أراحوا دفاعهم كما قد يقال من عناء التفكير في جوانبها المختلفة النسق السائد في الثقافة الأميركية المعاصرة يقضي بمثل هذه الإحالة.. ومن ثم كان الإمعان الذي نشاهده في تقسيم التخصصات وتكريس جهود المتخصصين إلى حد الغلو والمبالغة في بعض الاحيان.. يستوي في ذلك مجالات الطب ومجالات السياسة. لكن الحرب شأن أخطر من مجالات الطب أو مجالات السياسة ـ أن الفشل في جراحة قد يؤدي بحياة إنسان واحد..لكن انحراف التفكير وخطل التبرير وسوء الإدارة في مضمار الحرب وما يسبقها من حشد المجهود العسكري وما يواكبها من دموية الصراع المدمر وما يتلوها من عواقب وخيمة في غالب الأجيان ـ وما ينطوي عليه هذا كله من ضياع أرواح بشرية بآلالاف ناهيك عن هالات الحرث والنسك وسيادة قانون الدمار ـ كل هذا يجعل الحرب فادحة كبرى.. ويضع نتائجها الوخيمة على عاتق أجيال من بعد أجيال.. أنه بإختصار يجسد المقولة الشهيرة التي سبق إلى تردادها سياسي فرنسي من جيل مضى نظنه كليمنصو الذي كان يوصف بأنه «الثعلب العجوز» وقد قال: ـ إن الحرب أمر بالغ الخطورة.. إنها أخطر من أن تترك.. للجنرالات. والمعنى أن الحرب لاسيما في عصرنا حيث التطور ممعن إلى حد الغلو في آلات القتل وأجهزة الدمار ـ شأن قومي شديد التعقيد لابد أن تسمع فيه أصوات المجتمع القومي كله بل أصوات الجماعة الدولية على اختلاف قطاعاتها.. ممثلة أو مجسوة عند الحد الأدنى في منظمة الأمم المتحدة بعامة.. وفي مجلس الامن الدولي على وجه الخصوص. آراء الفريق العاقل ولقد المحنا في ختام الجزء الأول من هذا المبحث إلى آراء الصقور دعاة الحرب والدمار في المشهد السياسي الراهن بالولايات المتحدة.. ولقد نرى أن حان الوقت في السطور الراهنة كي نلمح إلى آراء الفريق الآخر في ساحة السياسة الأميركية.. الفريق الذي يقول أن الحرب ليست نزهة ولا مغامرة لذيذة ولا مجرد وسيلة للدعاية الإنتخابية ـ هؤلاء ليسوا فريق الحمائم المناوئ لفريق الصقور.. الحمائم دعاة سلام والفريق «الآخر» في السياسة الأميركية الراهنة لا يدعو إلى سلام بمعنى الوئام الطوباوي أو الركون إلى حسن النوايا والإستماع إلى أهازيج التفاهم الإنساني.. الخ. أنهم يتوخون مصلحة أميركا بالدرجة الأولى ومن ثم فهم يرون في الإندفاعة الحالية نحو الحرب ونحو ضرب العراق خللا في الأولويات التي ينبغي أن تتوخاها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وهم يرون ـ تحديدا ـ أن اجندة هذه الأولويات لابد وأن يتصدرها هدف محاربة الإرهاب بوصفه ظاهرة عابرة للحدود من جهة وباعتبارها خطرا محدقاً بأمن الولايات المتحدة في عقر دارها على نحو ما شهدته أحداث سبتمبر عام 2001 وكانت تلك ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ أميركا. ساسة محترمون هؤلاء هم عقلاء السياسة الأميركية كما قد نسميهم يصدرون أساسا عن مصالح بلادهم ولا تساورهم أوهام بشأن خصومات أميركا وصداقاتها.. بعضهم ساسة أكثر من واقعيين، برغماتيين بل أن بعضهم شارك في تدبير وإدارة صراعات عسكرية، مازالت حية في الذاكرة.. ولكن بعضهم إستطاع أن يعلو في الفكر والدعوة إلى آفاق تدعو للإحترام من أمثله ذلك ما يلي: في صيف عام 2002 نشرت كبريات الصحف الأميركية سلسلة من المقالات والآراء لعدد من الساسة المخضرمين الذين أعلنوا معارضتهم للنزعة المحافظة الجديدة (بمعنى نزعة الفكر المتعصب الرجعي والمستهين بأقدار الشعوب الأخرى) التي أصبحت تحرك دفة الاحداث في أميركا.. من هؤلاء الساسة كان الاميرال برنت سكوكرفت الذي كان يشغل منصب مستشار الامن القومي لدى الرئيس بوش الوالد وكان أهم ما قاله سكوكرفت هو أن التركيز على حكاية العراق وعلى نظام صدام حسين خطأ بالغ ينبغي أن تنتبه إليه إدارة الرئيس بوش الابن مؤكدا في ذلك أن أولى قضايا المصلحة القومية للولايات المتحدة هي تأمين شعبها ومصالحها ضد الإرهاب.. ومن ثم فمن الخطأ الجسيم في رأي الإميرال تحول الإمكانات والاهتمامات من حرب الإرهاب إلى غزو العراق. لكن سياسيا أميركيا محنكا إستطاع أن يخطو خطوة أبعد وأن يصدر عن رؤية أوسع وأعمق هو جيمس بيكر وزير خارجية بوش الوالد وهو أحد مهندسي حرب تحرير الكويت كما قد نذكر.. وقد إستخدمنا تعبير «الهندسة» عامدين في ضوء متابعة الجهود التي سبق إلى بذلها جيمس بيكر على مدى شهور طويلة بين عامي 1990و1991 وكانت جهودا دؤوبة ومحنكة بدورها إذ قصدت إلى بناء تحالف دولي واسع النطاق بلغ نجاحه أن إستقطب عددا من الدول العربية التي تبلورت لديها مقولات رفض الغزو ومقاومة الاحتلال وضرورة تحرير الكويت وإستطاعت ـ هل نقول إستطاع بيكر بالذات ـ أن تضفى مشروعية على هذه المقولات بأسرها ثم أن جهود الوزير الأميركي شهدتها ساحات الدبلوماسية الدولية. التي تراوحت بين مجلس الأمن الدولي حيث تم إنتزاع الاعتراف بأهمية الإحالة إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز إستخدام القوة العسكرية بل وصلت هذه الجهود إلى حوار تم في جنيف مثلا مع أركان الادارة العراقية ذاتها.. وبصرف النظر عن حسن النوايا أو سوئها بين الصدق أو الكذب.. فالحاصل أن بيكر لم يقصّر وقتها في بلورة الحشد الأميركي الاول ضد العراق على أنه تحالف دولي (30 دولة) وعلى أنه من أجل قضية لا يماري فيها أحد (تحرير بلد صغير يحتاج الى عون دولي) وعلى أنه تصد لعدوان سافر وغير مشروع (وفي هذا الخصوص صالت آلة الميديا الأميركية وجالت مستغلة واقعة الغزو عبر الحدود وتداخلت في الأمر مؤسسات العلاقات العامة فامعنت في هذا الاستغلال دون أن تتورع عن طرح أكاذيب وتشويه حقائق مما أخمد صوت المطالب العراقية وكان بعثها مشروعا أو معقولا.. وتلك قصة أخرى). جيمس بيكر المتقاعد حاليا.. والذي ما زال يعد من حكماء السياسة الأميركية، راعه تلك الاندفاعة المحمومة من جانب صقور البنتاجون الى حشد قوى الدولة الأعظم (أميركا) لاجتياح وغزو دولة من العالم الثالث (العراق).. وكان أن نشر مقالا في «نيويورك تايمز» استرعى فيه الانظار الى أن مصالح أميركا ومكانتها وصورتها العامة مهددة بالخطر في منطقة الشرق الأوسط بالذات. ولا تقتصر دواعي هذا الخطر على مغبة غزو العراق (وهو دولة عربية يؤبه بها في اطار النظام الاقليمي العربي) بل أن هناك ـ كما يؤكد جيمس بيكر ـ القضية الجوهرية، في المنطقة وهي قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي التي لا ينبغي ـ كما أكد وزير الخارجية الأميركي الأسبق ـ تجاهلها بغير معالجة وبغير حلول. ومرة أخرى، لم يكتب بيكر، أو أنداده، بمنطق المسالمة أو حتى التنازل عن أي مصالح تهم أميركا.. كان الرجل واقعيا حتى النخاع حين ذكر في مقاله بغير مواربة أنه اذا كان هدف ادارة جورج دبليو بوش هو التخلص من صدام حسين (الرجل والنظام) فإن الباب المفضي الى ذلك هو التماس حل في صراع اسرائيل مع العرب والفلسطينيين. الصوت الثالث جاء من سياسي ومفكر أكاديمي هو البروفيسور ربجنيو بريجنسكي، وكان بدوره مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر (من صفوف الحزب الديمقراطي المعارض حاليا).. وقد نشرت له واشنطن بوست مقالا ترددت أصداؤه في أوساط سياسية شتى وقال فيه بالحرف: ـ إن إقدام أميركا في الهجوم على العراق سوف ينظر اليه في منطقة الشرق الأوسط (وربما في أوروبا أيضا) على أنه جزء من الجهد الأميركي ـ الاسرائيلي الهادف الى فرض نظام جديد على منطقة الشرق الأوسط دون إيلاء الى اعتبار لخسائر الأرواح التي يمكن أن تقع بين صفوف المدنيين العراقيين أو الفلسطينيين. أهمية الصراع العربي ـ الاسرائيلي على هذه الآراء يعلق البروفيسور ريتشارد نورتون، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطون قائلا: ـ هكذا أراد سكوكروفت وغيره الى وجود مبرر استراتيجي قوي يدعو الى حل الصراع العربي ـ الاسرائيلي.. والمشكلة أن هذا الحل ينطوي عند ادارة بوش على مغارم سياسية (داخلية) لا يستهان بها.. ذلك لأن الصراع العربي ـ الاسرائيلي يطرح خيارا واضحا أمام الرئيس بوش: إما أن يكون الرئيس بوش رجل الدولة أو يكون الرئيس بوش السياسي المحترف.. والحاصل ـ يضيف البروفيسور نورتون ـ أن هناك اعتبارات استراتيجية قوية، تدعم اختيار الطريق الأول.. ولكن هناك (للأسف) مزايا انتخابية قوية، تدفع الى اختيار الطريق الثاني. وفي معسكر العقلاء أيضا نلمح اسم الدكتور «ماتياس راث».. هو طبيب أميركي كبير (من أصل هندي كما قد نتصور) ويرتبط اسمه ـ كعالم أكاديمي في ميدان الطب ـ باكتشافات جوهرية أحدثت تقدما في مجال علاج أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.. الدكتور ماتياس راث نشر صفحة كاملة اعلانا في نيويورك تايمز على حسابه الخاص، طبعا لكي ينقل رسالته الى ملايين الناس في أميركا وفي العالم.. عمد الرجل الى استعادة الشعار الذي سبق وذاع في عقد الستينيات في غمار معارضة حرب اميركا الظالمة في فيتنام.. وكان الشعار وقتها هو: ـ فلنصنع الحب بدلا من أن نشعل الحرب. الصحة قبل الحب لكن يبدو أن الدنيا تغيرت.. وأصبح الحب ترفا وسط الآلام والأوبئة والفقر وكل الأدواء التي أصابت البشرية مع دخولها في قرن جديد.. هكذا عمد الرجل الى تعديل الشعار ليصبح كما نشرته نيويورك تايمز، عدد 2/2/2003 كما يلي: ـ فلنصنع الصحة بدلا من أن نشعل الحرب. وفي اطار هذا الشعار الصادر طبعا عن أكاديمي بارز وطبيب أستاذ طرح الدكتور ماتياس شعارا آخر هو: ـ الصحة الطبيعية للجميع أمر ممكن بحلول سنة 2020. المهم أن الطبيب الأميركي يوجه خطابه المفتوح الى الرئيس بوش والى القادة والشعوب في أميركا والعالم قائلا: ـ إنني أدعوكم عشية الحرب التي يمكن أن تنشب ضد العراق الى وقف كل العمليات العسكرية.. ذلك لأن هذه الحرب لن تكون في مصلحة أي شعب بل ستصب في جانب جماعات المصالح التي تضم ـفضلا عن لوبي النفط الأميركي جماعة مصلحية أخرى هي لوبي صناعة الأدوية والمستحضرات الصيدلانية والطبية، هذا اللوبي الخطير هو الذي يساند بكل قوته وهيلمانه أجندة الحرب.. كيف لا والرئيس بوش وبلير الانجليزي يقبعان على رأس أكبر دولتين تنتجان أكبر وأغلى كميات ونوعيات من الأدوية والمستحضرات كيف لا.. ورامسفيلد رجل البنتاجون وداعية الحرب الأول كان يشغل مناصب رئيس وعضو مجلس ادارة أكثر من شركة مستحضرات طبية.. كيف لا وقد وعد الرئيس بوش شخصيا ـ في خطاب الاتحاد الأخير ـ برصد 400 مليار دولار في اطار برنامج لدعم الأدوية أو بمعنى دعم تلك الشركات التي تشكل ذلك اللوبي المؤثر والخطير. لا عجب إذن ـ يضيف عالم الطب الأميركي حرفيا ـ أن تنفرد صناعة الأدوية والمستحضرات الطبية بين كبرى الصناعات بالولايات المتحدة في تبني أو تمويل أجندة الحرب التي طرحتها ادارة بوش خلال الانتخابات التشريعية في نوفمبر عام 2002. ـ كاتب سياسي من مصر