الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 حتى لا تصبح البيوت مكاناً لتفريخ السلوكيات غير اللائقة اجتماعياً واخلاقياً، وحتى لا يتم اعادة انتاج التصرف الخطأ من قبل الطرف الذي يؤثر اهمال العلاقة الأسرية ويزهد في انجاح التواصل اللفظي مع الطرف الآخر، علينا أن نقف اليوم مع ابرز ظواهر انطفاء المشاعر الايجابية وتنامي المشاعر السلبية في محيط الاسرة. وكنا قد ألمحنا البارحة الى خطورة الالتفات الى مزايا الأخريات مع رفض الاعتراف بأن للزوجة من المزايا ما قد يفوق سواها ممن لا يرى منهن الا الجانب الشكلي الذي لا يصلح ليكون مقياساً على حقيقة الشخصية، بل ربما قدم صورة مغايرة لما تنطوي عليه الشخصية من الداخل. والممارسات التي تسيئ الى الرابطة الزوجية اصبحت مع الأسف الشديد سلوكاً معتمدا يحظى برغبة داخلية في الاستمرار والمواظبة على ادمان هذه الطقوس الباردة، وجعلها شيئاً مألوفاً. وتعتبر قلة التواصل اللفظي هي أحد المؤشرات القوية على ان ثمة «نفوراً» قد حدث، و«النفور» هو اول مراحل السير نحو نهاية قاسية اسمها «الكراهية». واذا كان المثل الحكيم يقول: تكلم حتى اراك. فان التجربة الانسانية تقول: تكلم حتى يشعر بك شريكك وتشعر به ، وتحاور حتى يذوب الجليد الذي قد يتراكم مع طول الصمت، ومع الاصرار على هجر اللغة الحوارية القادرة على تجديد دماء الرابطة الزوجية وتنقية البيئة النفسية للطرفين أولا بأول. الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة حاول في كتابه «متاعب الزواج» أن يرصد بعضاً من مظاهر الفتور العاطفي بين الزوجين، والخلفيات الذهنية التي ساهمت في اصابة الرابطة الزوجية بالشلل المؤقت أو الدائم، متهما الاحكام المسبقة بالتسبب في هذه الأضرار كتب قائلاً: «يشكو الرجل من زوجته انها نكدّية. وان بيته قطعة من الجحيم. يعود الى بيته فتداهمه الكآبة اذ يطالعه وجه زوجته الغاضبة الحاد النافر المتجاهل الصامت. بيت خال من الضحك والسرور، و يغيب عنه التفاؤل مثلما تغيب الشمس عن بيته فتلتهمه الأمراض!!». يقول «في بيتي مرض اسمه النكد. ويرجع السبب كله الى زوجته، ويدعي انه لا يفهم لماذا هي نكدية لماذا تختفي الابتسامة من وجهها معظم الوقت ويحل محلها الغضب والوعيد؟ ولماذا هي لا تتكلم؟ لماذا لا ترد؟ والحقيقة ان هذا الزوج لا يعرف ان زوجته بصمتها الغاضب انما هي تدعوه للكلام». قد يبدو للوهلة الاولى ان هذه الزوجة قد برعت في اثارة اعصاب زوجها في حين انها تعبر بصمتها الطويل عن احباط داخلي تسبب به هجر الممارسات المسئولة من الطرف الآخر تجاهها منذ فترة من الزمن لم تكن قصيرة أو طارئة. ولو تأملنا الكلمة الأخيرة من عبارة الدكتور عادل صادق لظهر لنا انها دعوة صريحة تطلقها المرأة للتمرد على الصمت، والقبول بفكرة اللجوء الى الحوار المفتوح ذي السقف الشاهق والمساحات الخضراء التي تحفل بألوان الأشجار، والتي تنعم بالضوء الكافي والنسيم العليل، حيث لا كدر ولا نكد، ولا احكام مستبطنة في وجدان صاحبها انطوى عليها حينا من الدهر وافرزت لديه قابلية ممارسة العتاب والحساب واللجوء الى توجيه اتهام صريح بالتقصير والتفريط في حقه. المساحات الخضراء التي تطالب بها الزوجة لتحتضن الحوار الأسري هي الخيار الأجدر بكل عاقل ان يحرص عليه ولا يتنازل عنه مهما كانت المبررات والعلل. ومن البيئة المحلية الى البيئة العالمية، ومن الازواج الشرقيين الى نظرائهم الغربيين يستمر مسلسل المحاكاة والتقليد في اهمال الرابطة الزوجية مما استدعى ان ينهمك الخبراء في مجال السلوك الاجتماعي لدراسة هذه الظاهرة عالميا والتنبيه على خطورة التمادي في جعل هذا الوضع الشاذ هو الاسلوب الوحيد في التعامل بين الزوج والزوجة. ففي تقرير لمجلة «بونته» الالمانية توضح الاحصائيات ان تسعا من كل عشر سيدات يعانين من صمت الازواج، وان مؤشر الاحساس بقيمة الطرف الآخر يبدأ في التراجع بعد مرور خمس سنوات من نشوء كثير من الأسر، وتشير الارقام الى ان 79% من حالات الانفصال تكون بسبب معاناة المرأة من انعدام المشاعر وعدم تعبير الزوج عن عواطفه لها. وعدم وجود حوار يربط بينهما. اما الدكتور «احمد محمد عبدالله» مدرس مساعد الطب النفسي بجامعة القاهرة فيشرح اسباب غياب الحوار بين الزوجين بقوله: «للصمت اسباب عديدة من أهمها الجهل لمعنى وأهمية الحوار» وتحت هذا العنوان العريض تفاصيل دقيقة لأسباب متداخلة ساهمت في كف الاحبال الصوتية عن اطلاق عبارات الود داخل البيت في حين ان ذات الاحبال الصوتية تنطلق بقوة خارج البيت لتهدي أجمل الكلمات وأرق العبارات للآخرين الذين رآهم أجدر بالمحبة من تلك النكدية الجالبة للهموم والاحزان!! وفي الغد يستمر الحوار.