الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 العراقيون يعرفون رئيسهم جيداً، وما من عراقي تجلس إليه الا وفي جعبته سرد من الحكايات عن العراق، وحكامها الذين جاؤوا على ظهر دبابة، ورحلوا إما سحلاً على الطرقات، وإما قتلا بشكل او بآخر، ومن ضمن السرد الكربلائي لتاريخ العراق يحتل صدام حسين مكان الصدارة، وحوله تحاك حكايات اشبه بتلك التي نقرأها عن حكم محاكم التفتيش في اوروبا، وبرغم كل الارهاب الذي يرزحون تحته الا ان صدام باقٍ مستمر على كرسيه المذهب كأنه فرعون على حد تعبير الاستاذ غسان تويني في مقابلته الاخيرة على شاشة الـ «ال بي سي»!! العراقيون يعرفون رئيسهم جيداً، يعرفون ذهنيته ونفسيته، ولذلك راهنوا على انه لن يتنازل عن حكم العراق طائعاً هكذا ببساطة، كما يعتقد او يتصور الاميركان، هذا عندما راج في دهاليز السياسة سيناريو مفاده ان تجنب الحرب ضد العراق ممكن فيما لو غادر صدام حسين السلطة!! والسيناريو ما زال مطروحاً، ووزير خارجية المملكة السعودية يتحرك في اطاره، وقد اعلن في اكثر من قطر عربي بأن هناك تحركا دبلوماسيا لتبني هذا الطرح، وان كان الجميع ينفي ذلك تحت مبرر ان الطلب من رئيس دولة التخلي عن الحكم هو شكل من اشكال التدخل في الشئون الداخلية لتلك الدولة!! لنحاول ان نحلل الامر بشكل آخر: اولاً سيناريو تخلي صدام عن السلطة هو افضل السيناريوهات واقلها خسائر وتكلفة، هذا في حال كان السيناريو المطروح جاداً، وهناك اطراف سياسية تعمل على بلورته في شكل صيغة معينة يتم تنفيذه بمقتضاها، وبالرغم من ان البعض يراه تعديا على سلطة نظام وبلد مستقل، الا اننا نقول انه يجب الاعتراف بحقيقة ان هذا البلد (العراق) لم تعد لسلطته او نظام حكمه ادنى مصداقية امام العالم، ولم يعد مرغوبا فيه من قبل شعبه ولندع جانبا موقف الولايات المتحدة وعداءها المستحكم له. وثانيا فإن قبول صدام حسين بهذا الخيار ـ هذا في حالة ما اذا كان الذين طرحوا الخيار جادين في السير به حتى النهاية بشرط تجنيب العراق والمنطقة كارثة الحرب ـ نقول قبول صدام بهذا الخيار سيضع الولايات المتحدة أمام العالم بشكل أكثر انكشافاً وسيضع كل تحركاتها وادعاءاتها على المحك الفعلي، فاذا كانوا قد جاؤوا بقضهم وقضيضهم للقضاء على صدام وتجريده من اسلحة الدمار، فها هو صدام يرحل وبالامكان العثور على الاسلحة ببساطة وربما يكون من ضمن الصفقة الاعتراف بوجود الاسلحة ووضعها بين يدي المفتشين ساعتها ماذا ستفعل الولايات المتحدة، وأي حجة ستخترع من اجل مواصلة جنونها وصولا لاحتلال العراق؟! ثالثاً وأخيراً، لم يعد للعراق هيبة، ولم يعد له سيادة، فسيادته منتهكة، وشرعيته مخترقة، وهناك أشكال كثيرة من الوصاية والحماية والحصار وصولاً الى الاحتلال العسكري لأراضيه، ومنذ اثنتي عشرة سنة تقريباً، إذن فلماذا الذهاب كثيراً إلى حكاية التدخل في شئون دولة أخرى والنيل من سيادتها؟ العراق محاصر، شعبه يموت جوعاً، أطفاله يتساقطون بالمئات جراء الجوع والأمراض بسبب الحصار وآفات الاسلحة التي يفجرها الأميركان على أرض العراق. العراق محاصر، ونفطه يباع بواسطة الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة ويودع في بنوك أوروبا وأميركا وينفق على العراق بنظام الوصاية على اليتيم والقاصر.. فلماذا؟ كل الأنظار متجهة لانقاذ صدام وعائلته ورجال سلطته الذين جروا كل هذه الويلات على الشعب العراقي، فمن ينقذ الشعب؟ ومن يفكر فيه أو في انقاذه ورفع الحصار عنه؟ فإذا كان في رحيل صدام انقاذاً له، فليرحل غير مأسوف عليه!!