الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 أي لعبة اشتريت لطفلك في أيام العيد؟ للوهلة الأولى يبدو السؤال مستغربا، غير أن حكاية ألعاب الأطفال تمثل قصة كبيرة، فاللعبة التي قد تستهين بها ربما تحسم مصير الكون بأكمله ذات يوم! الألعاب المنتشرة منذ أعوام تنبيء بأن الأيام والسنين القادمة ستكون مليئة بالدمار، ومليئة بمشاهد الدماء التي تتدفق حارة لتروي عطش الأرض. وربما لو كان للأرض أن تنطق لأبدت اندهاشها كيف حملت الأنسان جنينا في بطنها، وكيف تحملته مخلوقا كاملا على ظهرها، وربما تساءلت: لماذا تتحمله قتيلا أو فانيا في بطنها من جديد لو لم يسخرها الله لذلك. ليست هذه نبوءة عرافة مقدسة، بقدر ما هي قراءة لواقع لعب الأطفال ذلك الواقع الذي يستهين بالحياة الانسانية ويحتقرها، تاركا طفلا واحدا لا يخلو من غباء يصر على امتلاك الملعب وحده من الماء الى الماء، ويهدد بتحطيم اللعبة كلها بحقد طفولي وعبث شديدين. الانسانية بانصياعها للابتذال الأميركي، ترتد الى طور طفولي غير متوقع يهدد كوكب الأرض بالفناء دون مبالغة. ولعب الأطفال المنتجة اميركيا وإسرائيليا تكرس قيما سلبية، وتنزل بهذا المنتج من كونه يفترض أن يبث قيما ايجابية وسامية، إلى كونه يبث أحقادا ويؤسس لمؤامرات، مكانها ليس أذهان الأطفال وإنما أذهان لاعبين أقذار في أجهزة الإستخبارات. منتصف الثمانينيات عرضت دور السينما الأميركية فيلما بعنوان ألعاب الحرب، تدور أحداث الفيلم حول مجموعة أطفال تمكنوا من اختراق الكمبيوتر الرئيسي في شبكة الصواريخ الأميركية مما تسبب في نشوب الحرب العالمية الثالثة. قيل مضي 12 عاما علي عرض الفيلم تحققت نبوءته مع اختلاف قليل في الظروف الدولية والتفاصيل. فقد تمكن صبي بريطاني أوائل عام 1999 من اختراق شبكة الكمبيوتر العسكرية الأميركية، وأثر هذا الإختراق في حالة الاستعداد العسكري .. ولو كان الاتحاد السوفييتي واقفا على قدميه في ذلك الحين، لربما انطلقت الصواريخ العابرة لتدك مدنا، وتقتل آلاف الأبرياء بسبب عبث ذلك الطفل!! حرب الخليج الثانية كانت لها مكانتها المتميزة في عالم لعب الأطفال. ففي لعبة اسمها الإنذار الأحمر يقود اللاعب طائرة شبح ليقصف آبار البترول العراقية ومعسكرات ومطارات الجيش العراقي. لعبة أخرى اسمها لعبة الرادارات يختار فيها اللاعب جيشا. وأقوى الجيوش في هذه اللعبة الجيش الأميركي، وأكثرها شرا وقتلا جيشا ليبيا والعراق. ثم ظهرت لعبة أخرى تحمل قدرا كبيرا من الهوس الأميركي بصراع الحضارات. اسم اللعبة «استمتع بقصف المدينة المنورة» تنطلق اللعبة من فرضية مفادها أنه أثناء تقدم القوات الأميركية باتجاه العراق قامت القوات العراقية بالالتفاف حول الأميركيين، ووصلت قوات العراق الى المدينة المنورة وجعلتها المركز الرئيسي لقيادة الجيش العراقي، وعلى اللاعب أن يقصف هذا المركز (لاحظ الإيحاءات وحشر المدينة المنورة في الموضوع) ألعاب حرب الخليج تراجعت قليلا، غير أن سوق ألعاب الحرب وجد ضالته في أفغانستان، ففي معرض ألعاب الأطفال الدولي بنيويورك (الذي عقد خلال فبراير العام الماضي) ظهرت لعبة احتلت قمة المبيعات عنوانها «مقاتلو الحرية الأميركيون على الهواء مباشرة من الجبهة في أفغانستان». غير أن الخليج عاد الى الواجهة من جديد في سوق ألعاب الأطفال تزامنا مع الحشود الأميركية التي تتأهب للعدوان على العراق، وقبل يومين بثت وكالة رويتر تقريرا عن لعبة الكترونية يمارسها 20 ألف شخص يوميا على شبكة الانترنت، وتعكس أسوأ السيناريوهات المحتملة للحرب ضد العراق. يؤدي اللاعب دور الرئيس الأميركي وهو يتلقى التقارير من أركان حربه ـ رامسفيلد وباول وكوندوليزا رايس ـ وتبدأ اللعبة بجزء سهل حيث يبدأ القصف وتسقط بغداد سريعا!! مع بداية الجزء الصعب يشن العراق هجوما بجرثومة الجمرة الخبيثة على اسرائيل، فيرد الصهاينة بقصف نووي انتقامي. عقب ذلك يحدث انقلاب كردي شمال العراق، كما تحدث احتجاجات في الأردن وسوريا ومصر. ثم حالة فوضى تستولي الجماعات المتشددة فيها على السلاح النووي، وبمجرد العثور على جثة الرئيس العراقي صدام حسين يطلب من اللاعب اختيار خليفة له من بين ثلاثة أشخاص يشبهونه!! فضلا عن أصابع الصهاينة في اللعب المنتجة أميركيا، فإن لهم لعبهم الخاصة. هناك لعبة اسمه ( مكُْئ ْيء يٌمفَّْة َّ،َفت ) يقوم فيها اللاعب بقيادة طائرة عسكرية اسرائيلية لقصف مواقع في سوريا ولبنان ومصر والعراق. لإسرائيل سبق الإجرام في استخدام لعب الأطفال كوسيلة دمار، ففي حروبها ابتداء من عام 56 ضد مصر وانتهاء بحربها الأخيرة ضد لبنان استخدمت اسرائيل ألغاما وقنابل عنقودية على شكل لعب أطفال، وغالبا ما كان الأطفال هم أكثرية ضحاياها. بالطبع لم يكن ممكنا أن يقف الطفل العربي مكتوفا في مواجهة ما يمارس ضده من قهر حتى في لعبه التي يقضي أجمل سنوات عمره معها. فالأطفال العراقيون صاروا يستخدمون عصيهم ـ بعد أن يتخيلوا انها تحولت الى بنادق ـ ويوجهونها نحو السماء، وكأنهم يقاتلون عدوا يهبط منها ... أما أطفال فلسطين فصارت مواجهة الدبابات الإسرائيلية بصدورهم العارية لعبتهم المفضلة. ألعاب الأطفال ليست شيئا كماليا، فاللعبة في السنوات الأولى للطفل تشارك في صياغة شخصيته، وتحكم مسيرة حياته. احدى الدراسات تقول ان 80 % من شخصية الطفل واتجاهاته تتحدد في السنوات الثماني الأولى من العمر (سنوات اللعب). وكثيرا ما نادى العلماء العرب المهمومون بالموضوع بلعبة عربية وبح صوتهم، بل طالب بعضهم الجامعة العربية بذلك، ولم تفلح الجامعة حتى في انتزاع اتفاق على تصنيع لعبة أطفال!! وحده طالب طب سوري يدعى محمد حمزة تمكن من تحقيق هذا الحلم، فقد صمم لعبة اسمها رماة الحجارة أهداها لأطفال الانتفاضة، وختمها بلوحة تقول «أوقفوا قتل الأطفال في فلسطين قبل أن تنتهي اللعبة» على اللاعب في هذه اللعبة أن يختار أحد ثلاثة مستويات الأول «طفل الحجارة» والثاني « لا أخشي العدو» والثالث « لا أخشى الموت». اللاعب يتقمص دور أحد الأطفال الفلسطينيين الذين يقاومون الجنود الصهاينة خلال معركة تدور رحاها في باحة قبة الصخرة، كل حجر أو لكمة تقضي على جندي صهيوني. تقدم اللعبة للاعب ثلاث أرواح، ولو فشل في مقاومة العدو واستشهد تظهر جنازة طفل شهيد محمول على الأعناق في مظاهرة صاخبة عنوانها « هذا هو العالم الحقيقي» تزداد صعوبة اللعبة بازدياد كثافة الجنود الصهاينة، وباستخدامهم الذخيرة الحية، ولم ينس مصمم اللعبة أن يجعل طفل الحجارة يرفع شارة النصر في وجه جلاديه. ولأن الانترنت ليست ملعبنا، فقد اتهمت اللعبة بأنها تروج للكراهية وحجبت من موقعين، وهي الآن يمكن تنزيلها من على موقع سوري عنوانه (ٍُك.مَيٌَُ-َِّّكَّفٍفل.ٌٌٌّّّ) اجعلوا هذه اللعبة هدية العيد لأطفالكم .. فلعب الأطفال الغربية تنبيء أننا سنكون مستقبلا في مواجهة مليون هتلر جديد، يريدون طحن عظامنا .. وعلينا بنيان هذه العظام بطريقة لا تجعلنا فريسة سهلة.