الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 أوروبا حشرت إدارة بوش في زاوية. فالولايات المتحدة لن تستطيع أن تقبل المبادرة الفرنسية الألمانية.. ولن تستطيع أن ترفضها لأمد طويل. وفي كلا الحالين أصبحت الحرب ضد العراق موضع شك. الهدف الأساسي للتحرك الفرنسي الألماني هو ما لم تأت على ذكره المبادرة.. وهو نسف المخطط الأميركي لعراق ما بعد صدام مقدماً وحتى قبل أن تتخذ إدارة بوش قراراً نهائياً بشن الحرب. ولكي نفهم هذا المغزى يحسن بنا أولاً أن نعيد الى الأذهان الهدف الحقيقي لمخطط الحرب الأميركية على العراق الذي تحرص واشنطن على اخفائه. هو ـ كما سبق أن ذكرنا ـ هدف مزدوج يتمحور حول إقامة حكومة عميلة في بغداد تدفع بتحرك عربي لدمج إسرائيل في النسيج العربي من ناحية وتتيح للولايات المتحدة السيطرة الكاملة على صناعة النفط الوطنية العراقية. وما تهدف إليه الخط الفرنسية الألمانية هو منع قيام حكومة عراقية عميلة عن طريق الحيلولة دون اشتعال الحرب. وعلى هذا النحو فإن الخطة المشتركة تنطوي على خلق وضع سياسي جديد في العراق يبقي على نظام الرئيس صدام حسين ولكن بصلاحيات شكلية مع اضطلاع هيئة دولية بتصريف الأمور تشارك فيها أوروبا باسم الأمم المتحدة. والبنود الرئيسية للخطة هي كما يلي: ـ تعزيز عمليات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق برفع عدد المفتشين الدوليين البالغ حالياً مئة مفتش بمقدار ثلاثة أمثال. ـ نشر قوات عسكرية دولية تتبع للأمم المتحدة بغرض ضمان أمن المفتشين. ـ مشاركة طائرات استطلاع فرنسية في عمليات التفتيش جنباً إلى جنب مع طائرات استطلاع ألمانية وأميركية.. على أن تشتمل مهمة الطائرات أيضاً على مراقبة المجال الجوي العراقي. ـ خلق منصب «منسق» الأمم المتحدة «الدائم» للاشراف على عمليات التفتيش ونظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق. بإيجاز.. فإن ما تهدف إلى تحقيقه باريس وبرلين دون البوح به بصورة مباشرة هو خلق حالة احتلال دولي للعراق بطريقة سلمية لتفادي وقوع العراق تحت احتلال أميركي عن طريق الحرب. وعلى هذا النحو تأمل فرنسا وألمانيا ـ كما يبدو ـ في إحباط المخطط الأميركي للانفراد بالسيطرة على العراق. ولو دققنا في هذا المخطط الفرنسي الألماني لاكتشفنا أنه صورة محسنة لمعادلة «النفط مقابل الغذاء». بموجب هذه المعادلة يخضع العراق عملياً لحكومة دولية. فاللجنة الدولية التي تشرف على البرنامج وتتكون عضويتها من القوى الدولية الخمس في مجلس الأمن هي التي تقوم على إدارة صادرات النفط العراقي وكيفية الانفاق من العائدات المالية لهذه الصادرات. ومن المثير أن نعرف رد الفعل الأميركي الرسمي والنهائي عندما تتقدم فرنسا وألمانيا بخطتهما المشتركة رسمياً إلى مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة. لقد ظلّت الادعاءات الاميركية الرسمية بشأن تبرير شن حرب على العراق مبنية على ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل باعتبار ان السلطات العراقية لديها ـ حسب الاتهام الأميركي ـ أسلحة مخفاة. فكيف ترفض الإدارة الأميركية على صعيد مجلس الأمن الخطة الفرنسية الألمانية، وهي خطة مصممة ظاهرياً بهدف تعزيز عملية التفتيش عن الأسلحة بطريقة أكثر اتقاناً؟ لو عمدت واشنطن الى تبني هذا الخط «الرفض رسمياً» في مجلس الأمن فإن معنى ذلك هو أنها ستضطر إلى فضح ادعاءاتها الكاذبة بالربط بين شن الحرب وأسلحة الدمار الشامل. ومما يزيد من الإثارة المرتقبة أن الولايات المتحدة سوف تجد هذه المرّة ان المعارضة ضدها في مجلس الأمن قد توسعت وازدادت حدة. فإعلان الخطة الفرنسية ـ الألمانية في مطلع الأسبوع تزامن معه حدث تاريخي زلزالي يتمثل في استخدام فيتو أوروبي ضد الولايات المتحدة في اطار الحلف الأطلسي في وجه تحرك أميركي لمحاولة استقطاب تأييد الحلف لحرب أميركية على العراق. ومن ناحية أخرى تعزّزت المعارضة الأوروبية ضد الولايات المتحدة بتأييد روسي قوي للخطة الفرنسية ـ الألمانية. فقد شخص الرئيس الروسي بوتين إلى كل من برلين وباريس ليعلن في كلا العاصمتين ان روسيا «تتفق بالكامل» مع فرنسا وألمانيا على طريقة تسوية الأزمة العراقية. ووعد بوتين بأن موسكو سوف تعمل «بشكل وثيق» مع فرنسا وألمانيا في مجلس الأمن الدولي. وهكذا يتخذ الشقاق الأوروبي الأميركي نقلة نوعية بانتقال أوروبا من دائرة المعارضة إلى دائرة الهجوم. وقد نرى في الأيام المقبلة ما هو أدهى وأمرّ.