الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 وصلتني نشرة من مركز الحوار العربي في واشنطن، وكانت النشرة عبارة عن ما قاله جيمس اكنز السفير الاميركي السابق في المملكة العربية السعودية في ندوة عقدها المركز، فهو يقول: في عام 1973 عندما كنت سفيراً لواشنطن في الرياض، فوجئت بنشر احدى الصحف الاميركية مقالا مفاده ان حل المشكلة البترولية الناجمة عن الحظر البترولي العربي هو ان تقوم القوات الاميركية باحتلال منابع النفط العربية، وان يتولى خبراء النفط في ولايتي تكساس واوكلاهوما شئون الانتاج، وسرعان ما نشرت هذا الموضوع ست صحف رئيسية من بينها لوس انجلوس تايمز ونيويورك تايمز، وحمل الموضوع المنشور في كل تلك الصحف نفس الفكرة وبنفس الصيغة تقريبا، ويضيف: لقد ادركت انه من المستحيل ان يكون سبعة كتاب امريكيين قد فكروا بنفس الفكرة في نفس الوقت وبنفس الصيغة، وتوصلت الى نتيجة مفادها ان شخصا ما في المخابرات الاميركية او وزارة الدفاع قد طرح الفكرة على الصحفيين وطلب منهم اخفاء المصدر، وبعد ايام طلبت مني احدى المحطات التلفزيونية الاميركية التعليق على ما نشرته الصحف، فقلت بدون تردد: ان أي امريكي يفكر في ان حل مشاكلنا السياسية والاقتصادية يمكن ان يكون من خلال احتلال آبار النفط العربية هو رجل مجنون يفكر بطريقة اجرامية او هو عميل للاتحاد السوفييتي، وكانت المفاجأة غير المتوقعة ان الذي سرب المعلومات حينئذ كان وزير الخارجية الاميركي الدكتور هنري كسنجر، لذلك لم يمض شهر حتى فوجئت بقرار فصلي من منصبي كسفير للولايات المتحدة. كانت مسرحية هزلية تلك التي قام بها كولن باول امام مجلس الامن الدولي، فعرض ادلة اقل ما يقال عنها انها واهية وتشبه الى حد ما لعب الاطفال، فقد شد انتباه الكثير من الحاضرين باسلوب أخاذ يميل الى التمثيل عارضا امامهم صورا ومجسمات رسمت على الحاسب الالي كما تصورها معارضون هاربون من نظام الرئيس العراقي صدام حسين. وكان اضعف فصل في المسرحية هو عرضه لشريط صوتي يقال ان اجهزة التجسس الاميركية التقطته لمكالمة هاتفية بين عميد في الجيش العراقي ومساعده، يطلب فيها العميد من المساعد اخفاء بعض الاسلحة والتأكد من عدم وجود ما هو محظور منها، ولكن هل وصلت بنا السذاجة الى هذا المستوى؟ عندما يتحدث عميد وعقيد يمثلون جهاز المخابرات وفي اوقات الحرب فهل يقول له عليك اخفاء كل القنابل الجرثومية والكيماوية والذرية؟ ام ان هناك رموزاً تستخدم في مثل هذه الحالات ؟ جميع من يعمل في أي جهة امنية يعلم ان مايلزم اخفاؤه يجب ألا يصرح به على الورق او شفويا، فما بالنا بمكالمة هاتفية في وقت الحرب بين مسئولين يقول احدهما للاخر اخفي ما لديك من اسلحة ممنوعة ؟ لقد اتصلت بصديق اردني قديم اسأله عن الزرقاوي، ذلك الرجل الذي شغل ذهن كولن باول لفترة طويلة وقدمه على انه الرجل المخطط للكثير من العمليات الارهابية في الاردن واوروبا، فضحك الصديق وقال: لقد سجن الزرقاوي في الاردن بتهمة انتهاك عرض، وتعرف على جماعة التكفير والهجرة في السجون، وهو شخصية ساذجة لايعرف عن التخطيط والتنفيذ اكثر مما يعرف عامل الشاي الذي يعمل لديكم. فليضعنا كولن باول في اسفل قائمة البشر الذين يجب ان يحسب حسابهم، ولكننا نعرف الكذب حين نسمعه ونعرف الحقيقة حين تصدح، فما يقوله اقرب الى الاولى منه الى الثانية، وكان من الافضل لو وفر كل ذلك الجهد والوقت وسلم تلك المعلومات ان كانت تسمى معلومات الى لجان التفتيش للتأكد من مصداقية مايملك منها، اما الزرقاوي فبالامكان الالتقاء باصدقائه واهله لمعرفة مدى امكانياته التخطيطية والعملياتية والاستخبارية، وملفه الموجود لدى المخابرات الاردنية سيحكي الكثير عن مستواه الاكاديمي والعقلي وشبكة معارفه ومهاراته، فأين هذا الملف؟ ولمصلحة من لم يتم الكشف عنه؟ سيأتي اليوم الذي يتحدث فيه الناس حين تتغير الظروف، وقد يخرج علينا الكثير من السفراء والدبلوماسيين والسياسيين ليدلوا بدلوهم في شأن هذه الحرب التي تدور رحاها فوق رؤسنا، ولكن الوقت سيكون قد فات وما سيقال سيبقى تاريخا لمرحلة انقضت غطتها دماء الضحايا وغبار المعارك وكذب الساسة. لقد استغربت حين بثت القنوات الفضائية العربية خطاب كولن باول الممل، ولكنها تفادت خطاب الجانب العراقي في رده على تلك الادلة، فهل شاركت الفضائيات العربية في المعركة قبل الجيوش ؟ قد تكون كذلك. ـرئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com