الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 تنعقد القمة العربية الدورية في غضون الشهر المقبل، وأمامها فرصة مواتية لتجنيب العراق الضربة العسكرية الاميركية المبيتة، «أولا» بعد فشل أميركا الذريع في اقناع العالم بأدلة ثبوتية قاطعة حول أسلحة دمار شامل لاتزال بحوزة العراق، وكذب الادعاء بأن العراق يهدد الأمن القومي أو المصالح الأميركية، و«ثانيا» لأنه كلما اقتربت ساعة الصفر ايذانا بنفاد صبر أميركا أو نهاية عمل المفتشين الدوليين، زاد الرفض الدولي لضرب العراق، إدراكا لمخاطره المتوقعة على العالم بأسره.. سياسيا وأمنيا واقتصاديا وانسانيا، «ثالثا» ان تصريح كولن باول وزير الخارجية الأميركية مؤخرا، من أن بلاده لا تستهدف من وراء الضربة ضد العراق الهيمنة على موقعه الاستراتيجي أو ثرواته النفطية، وانما مدخلا لاعادة ترتيب أوضاع منطقة الشرق الأوسط بما يتلائم مع المصالح الأميركية، بما يعني ان حيازة العراق لاسلحة الدمار الشامل بالتالي من عدمه أو محاولة تعرية نظام الرئيس صدام حسين والعمل على سقوطه أو ازالته، ليست سوى تكئة لاضفاء المصداقية على الحرب ضد العراق .. لعلنا من هنا نحسب ضرورات اختيار شعار أو اطار عام لجدول أعمال القمة العربية المرتقبة يؤكد بوضوح وعلانية أو ضمنيا على حتميات التضامن القومي لردع النوايا الأميركية الرامية لإعادة احتلال المنطقة بعد استلاب ارادتها والهيمنة على مقدراتها - اثر ضرب العراق - دولة تلو أخرى، اعمالا للمثل القائل «اضرب المربوط - وهو العراق المكبل بالحصار والعقوبات منذ أكثر من عشر سنوات - يخاف السايب!». أما الروح الانهزامية التي تقبلت بها بعض الدول العربية طوعا، أو دفن البعض الاخر رؤوسه في الرمال حتى لا يرى الخطر المحدق به بعد العراق، فلن تؤدي تباعا الا لما يشبه «الموت السريري» من الآن فصاعدا، من طول المعاناة لادمان الفشل وفقدان المناعة، بينما ثبت على مر التاريخ جدوى وفاعلية المثل الموروث بصيغ شتى حول خيار الصمود حين يكون الخطر داهما ومحققا «إذا لم يكن من الموت بد.. فمن العجز أن تموت جبانا» فلعل العرب اذا يراجعون سجل هزائمهم على امتداد القرن العشرين كمثال، لانهم خافوا المعارك ضد عدوهم ولاختيار التوقيت الملائم واستنفار كامل قوتهم لمواجهته، في اطار خطة دقيقة وموضوعية وتحت قيادة موحدة، بينما تحقق لهم الانتصار على اسرائيل لأول مرة عندما توافرت هذه الشروط والمعايير ابان حرب أكتوبر 1973، رغم أن التنسيق كان على مستوى دولتين عربيتين وجبهتين فحسب، ولو كان على المستوى القومي الشامل لكانت نهاية الصراع لحساب العرب وهزيمة اسرائيل قطعا. وهكذا عندما نطرح السؤال اليوم: هل بوسع القمة العربية استبعاد الضربة الأميركية للعراق؟ فالاجابة قاطعة.. نعم! ولكن شريطة أن تستمد الأنظمة صمودها من ارادات شعوبها، وتطلق لها العنان في التظاهر والاجتماعات والتعبير، أسوة - وياللعار - بالمظاهرات المليونية التي شهدتها ولا تزال العديد من الولايات الأميركية والعواصم الأوروبية، واذا استثمرت القمة المتناقضات الراهنة في المصالح بين أميركا وحليفاتها في أوروبا واليابان واستراليا، لا عبر المقاطعة النفطية، وانما عبر اعلان نداء أو «مانفستو» يدعو الى اباحة مد العالم بالنفط العربي باعتباره طاقة عامة للحياة والتقدم للبشرية بأسرها، وبذلك يقطع العرب الطريق على اللوبي النفطي الاميركي الذي يسعى الى الهيمنة واحتكار النفط العربي بل ونفط العالم بأسره، حتى تؤمن أميركا سعيها الاستراتيجي الأثير في أن تظل القوة الكونية الأحادية خلال القرن الواحد والعشرين.. بل والى الأبد. فهل نطمع بعد ذلك أن يلتزم العرب بصيغة جماعية ترفض الاملاءات الأميركية لكل دولة على حدة، وأن يعلنوا جميعا تضامنهم معا في مواجهة الكارثة، ولن يتأتى لهم ذلك قبل فتح منابر الاعلام والرأى والبرلمانات للتداول الديمقراطي حول أنجح السبل لتفويت الفرصة على أميركا في اعلان حربها الظالمة على العراق! ـ كاتب مصري