الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 وصف احد المحللين المداخلة الطويلة التي قدمها وزير الخارجية الاميركي كولن باول امام مجلس الامن الدولي الاسبوع الماضي بأنها من نوع «قل كلمتك وامش». فعلى الرغم من ان هدف باول كان اخفاء المصداقية على الاتهامات الاميركية الموجهة الى العراق بأنه مازال يمتلك فعلاً اسلحة محظورة، لكن القرائن التي ضمنها «لائحته الاتهامية» لم تصل الى مستوى الادلة الدامغة او المقنعة، التي كانت الادارة الاميركية تتحدث عنها دائما وتتخذها مبرراً لحملتها العسكرية المقررة. كذلك فشل الوزير الاميركي في تقديم دليل متماسك يؤكد صلة النظام العراقي بتنظيم «القاعدة» وبالارهاب الذي استهدف الولايات المتحدة مباشرة. ومع هذا تصرفت الادارة الاميركية في اعقاب مداخلة باول وكأنها ادت واجبها تجاه مجلس الامن والمجتمع الدولي في صورة عامة ولم يبق امامها سوى اعلان الحرب رسمياً على العراق. وفي الواقع فإن التصريحات التي ادلى بها الرئيس جورج بوش في اليوم التالي يمكن فهمها على هذا النحو تماماً، كذلك الحال بالنسبة للعبارات المختارة التي صدرت عن وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد في الوقت ذاته، فالاول قال ان «اللعبة انتهت مع نظام بغداد، وعلى العالم ان يتحمل مسئولياته»، والثاني اعلن ان «الدبلوماسية وصلت الى نهايتها» وليس معنى ذلك ان واشنطن لم تكن قد اتخذت قرار الحرب قبل ذلك، لكنها ارادت من وراء هذه الحملة الجديدة المركزة تحقيق عدة اهداف في وقت واحد، مع اقتراب الموعد التقريبي لبدء العمليات العسكرية الفعلية في النصف الثاني من فبراير الجاري، وفقا لمختلف التقديرات. احد ابرز هذه الاهداف، تهيئة الرأي العام الاميركي بالذات للحرب، وذلك في ضوء ما لمسه مراقبون ومحللون عديدون من عدم تجاوبه مع توجيهات ادارته في الوقت الذي تتطلب خطوة خطيرة كهذه اجماعاً وطنياً واضحاً لا لبس فيه، او ما يقرب حدود الاجماع، فمعظم استطلاعات الرأي التي نشرت خلال الاشهر والاسابيع الماضية اظهرت ان غالبية الاميركيين لم تقنعهم المبررات التي قدمتها ادارة الرئيس جورج بوش لغزو العراق، لاسيما ما يتعلق بالخطر المزعوم الذي يشكله النظام العراقي على الولايات المتحدة، او ما يقال عن علاقة بغداد بتنظيم القاعدة وبالارهاب العالمي من دون تقديم اي دليل مادي يؤكد ذلك. اقفال باب الدبلوماسية هذا من جهة ومن جهة اخرى، فإن الخلافات التي كانت تدور داخل الادارة الاميركية نفسها حول الحرب، مبرراتها واهدافها وتأثيراتها والنتائج التي قد تسفر عنها، ساهمت هي الاخرى في البلبلة الداخلية وفي تشوش الرأي العام الاميركي. وينبغي القول ان قيام وزير الخارجية كولن باول، شخصيا بمهمة تقديم «لائحة الاتهام» ضد النظام العراقي، كان ايذاناً بحسم الخلافات داخل ادارة بوش لمصلحة الصقور الذين يمثلهم نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وآخرون في وزارة الدفاع اخذوا على عاتقهم منذ البداية، قيادة حملة التحريض ضد العراق، وتغليب الحل العسكري على الحل السياسي في معالجة الموضوع العراقي. وبناء على هذا التطور لم يكتف باول بالجهد الذي بذله ليبدو مقنعاً امام مجلس الامن الدولي والعالم، بما يخدم سياسة التصعيد التي تنتهجها الادارة الاميركية بل اضاف عناصر اخرى الى اطروحته ـ في تصريحات لاحقة امام لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ ـ اكد فيها ان اطاحة الرئيس العراقي صدام حسين «قد تعيد تشكيل الشرق الاوسط على نحو يعزز مصالح الولايات المتحدة ويساعد في انهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي». وهذه الاضافة تكشف بوضوح ان الادارة الاميركية غير مهتمة على الاطلاق بمهمة بعثة المفتشين الدوليين في العراق وبالنتائج التي قد تحققها. وبالتالي فإن ما يشغلها هو شيء آخر غير اسلحة الدمار الشامل التي يجري البحث عنها. ومع ان هذه الحقيقة كانت اساسية في تقديرات المحللين المتعلقة بدوافع الحرب الاميركية المقررة ضد العراق، لكن ما اعلنه الوزير باول امام مجلس الشيوخ يعتبر اوضح دليل على حقيقة اهداف الادارة الاميركية ودوافع غزوها للعراق، فالولايات المتحدة ستضع يدها على ثاني اكبر احتياطي بترولي في العالم بعد السعودية «112 مليار برميل على الاقل»، كما ستمتلك المزيد من وسائل التأثير في السياسات الاقليمية والعالمية، وأول ما يتبادر الى الذهن في هذا السياق هو الصراع العربي ـ الاسرائيلي، والدور الذي تلعبه المجموعة المؤيدة للدولة العبرية داخل الادارة الاميركية في سبيل حسم الصراع لمصلحة اسرائيل ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة. اما الهدف الرئيسي الثاني للحملة الاميركية المتصاعدة فهو اصدار حكم دولي بعدم جدوى المراهنة على مهمة لجنة «انموفيك» في العراق وبالتالي اقفال الباب كلياً امام المطالبة بالتمديد لها اسابيع اخرى، ذلك ان تمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية يؤدي عملياً الى تعطيل الخطط الاميركية الجاهزة وتأخر مجلس الامن الدولي في اتخاذ قرار نهائي في شأن مدى تجاوب الحكومة العراقية مع الشروط التي تضمنها القرار 1441، واثبات خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل، والى جانب ان وزير الخارجية الاميركي لم يكن مقنعا، بما فيه الكفاية، في ما قدمه من قرائن يحتاج كل منها الى ما يؤكد حملتها، فقد تبين ان معظم الدول الممثلة في مجلس الامن لاتزال ترى ضرورة ان تنجز لجنة التحقيق الدولية مهمتها قبل اتخاذ مواقف جديدة مغايرة لمواقفها الحالية التي تتسم بالتريث والحذر والترقب، اي اعطاء الدبلوماسية فرصة كاملة. وترى الدول المشار اليها انه لابد من انتظار معرفة مضمون التقرير الذي سيقدمه هانز بليكس رئيس لجنة التفتيش والتحقيق الدولية «انموفيك» الى مجلس الامن في 14 فبراير الجاري لتحديد موقفها النهائي. فهي مقتنعة بأن المفتشين هم اصحاب الصلاحية وليس سواهم، في تحديد مدى التزام العراق بقرار مجلس الامن 1441 ومقدار تعاونه مع البقية الدولية. واذا كانت الولايات المتحدة صادقة في الرغبة التي تعبر عنها بازالة اسلحة الدمار الشامل وكل الاسلحة الاخرى المحظورة، فلابد من تسليم معلوماتها المتعلقة بهذا الشأن الى لجنة «انموفيك» للتحقيق فيها، بدلاً من توظيفها اعلامياً قبل التأكد من صحتها. التباين الأوروبي الأميركي هذا التباين في المواقف بدأ اكثر حدة بين الولايات المتحدة من جهة وعدد من الدول الاوروبية في مقدمتها فرنسا والمانيا من جهة اخرى، ففيما ابدى المسئولون الفرنسيون تمسكهم بالمرجعية التي تمثلها لجنة «انموفيك» كما عرضوا المساعدة لتعزيز دورها وفعاليتها، اصر المسئولون الالمان على رفض خيار الحرب كلياً او المشاركة في اي جهد عسكري، وكان من نتيجة ذلك تبادل تصريحات عنيفة بين وزير الدفاع الاميركي من جهة والمسئولين الفرنسيين والالمان من جهة اخرى، تجاوزت حدود اللياقة المتعارف عليها، خصوصاً بين الحلفاء والاصدقاء. وقد انعكس هذا التباعد على حلف شمال الاطلسي ومؤتمر الامن الاوروبي حيث تعذر على الدول المشاركة الاتفاق على موقف موحد من الموضوع العراقي ومن الدعوة الاميركية لاتخاذ اجراءات عسكرية مشتركة لدعم المجهود العسكري للولايات المتحدة، والمراقبون يتوقعون ان تزداد شقة الخلاف اتساعاً، ليس فقط بين واشنطن وكل من باريس وبرلين، بل بين دول الاتحاد الاوروبي نفسها التي اعلنت ثماني دول منها تأييدها موقف الولايات المتحدة. وهو ما يشير الى خطورة الوضع الدولي حيال المشكلة العراقية ووسائل معالجتها. ويرى المحللون ان المانيا تجد الظرف الحالي مناسباً للخروج من تحت مظلة التبعية للولايات المتحدة، ولذلك فهي تؤكد دائما رفضها الانضمام الى الحرب او تقديم اي دعم لها سواء اصدر مجلس الامن قراراً ثانيا باجازة استخدام القوة ضد العراق او لم يفعل. فالامر يعتبر مبدئياً بالنسبة لها، ذلك انها ضد المشاركة في اي حرب وليس الحرب الموجهة ضد العراق فقط، اما فرنسا فتنطلق في موقفها من حرصها على التميز ورفض الهيمنة الاميركية. كما يؤكد العديد من المسئولين فيها، وثمة من يعتقد ان اطلاق يد الولايات المتحدة في العراق سيؤدي حتما الى احداث تغييرات جذرية وواسعة تنعكس بالتأكيد على المصالح الفرنسية بخاصة وعلى المصالح الاوروبية بعامة، كما ان سلطة الامم المتحدة ستتقلص كثيراً، بما يجعل المنظمة الدولية مجرد اداة طيعة في يد واشنطن تستخدمها كما تريد ولاي هدف تشاء. وتقول مصادر مطلعة ان باريس تلقت تحذيرات من دول عدة، بينها الجزائر، مفادها ان الحرب الاميركية ضد العراق، وايا تكن نتائجها، ستترك تأثيرات سلبية خطيرة داخل دول منطقة الشرق الاوسط كلها، وربما تشهد هذه الدول نمواً متزايداً في انشطة قوى التطرف والارهاب، ومن الصعب في الوقت الحاضر تقديم المدى الذي يمكن ان تبلغه ردود فعل القوى السياسية والحزبية والتنظيمات المختلفة في تصديها للهيمنة الاميركية، لكن لابد من توقع اسوأ الاحتمالات في هذا المجال. والقلق الذي تتركه هذه التحذيرات لدى الدوائر الفرنسية لاتقتصر اسبابه على ما يمكن ان يحدث في الدول المتوسطية الشريكة لاوروبا «ضمن مسار برشلونة» وانها على ما قد يحدث داخل فرنسا نفسها، حيث يصل عدد المسلمين والعرب فيها الى نحو خمسة ملايين شخص وتسير حالة الغليان التي تتبدى داخل هذه الجماعات الى ردود الفعل العنيفة التي يمكن ان تشهدها مناطق فرنسية عديدة في حال حدوث تطورات دراماتيكية في منطقة الشرق الاوسط، خصوصا على صعيد النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. وعلى ذلك فإن مواصلة الرهان على دور المفتشين الدوليين وعلى الوسائل الدبلوماسية بكل اشكالها، سيظل الخيار المفضل بالنسبة لفرنسا والمانيا، مهما اشتدت الضغوط الاميركية على الدولتين، ومع انه قد تكون لروسيا حسابات اخرى في تعاطيها مع المشكلة العراقية لكنها تشعر ايضا بأن الحل الدبلوماسي يجنبها الكثير من الاحتمالات السيئة خصوصا في الشيشان، حيث تبذل السلطات الروسية جهوداً كبيرة لاحلال الهدوء والاستقرار في المناطق الشيشانية التي ظلت مسرحا لمواجهات ضارية بين القوات الروسية والمقاومين الشيشانيين على مدى الاعوام الماضية. وهكذا.. فإن موعد الرابع عشر من فبراير الجاري حيث يقدم المفتشون الدوليون تقريرهم الحاسم قد يكون فاصلاً في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة. وان تكن الولايات المتحدة تجاوزت في خطواتها التمهيدية هذه الحسابات، لتجعل من اكتمال استعدادها العسكرية اساس كل الحسابات والرهانات. فهل لاتزال ثمة فرصة لانقاذ منطقة الشرق الاوسط من الحرب المدمرة التي تتهددها؟! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا