الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 منذ انقطاعي في الفترة الماضية عن الكتابة في «استراحة البيان» تلقيت مكالمات من بعض الأصدقاء، ورسائل عديدة عبر البريد الالكتروني، كل يعلق عن سبب هذا الانقطاع بأسلوبه، ويعبّر عن رأيه، وأنا أشكر لهم اهتمامهم مهما كانت استنتاجاتهم وأكن لهم كل التقدير. سبق وان كتبت في هذه الزاوية بأني لست كاتباً ولا أدّعي ذلك، إنما أريد ان أشارك القراء انطباعاتي عمّا أشاهد وأقرأ وأسمع، ولا أستطيع ان أفعل ذلك إلا إذا شدّني موضوع ما، أو تأثرت به. ومن هنا بالذات أبدأ استراحة اليوم.. تابعت وعدد من المشاهدين منذ اسبوعين برنامج «خليك بالبيت» الذي يقدمه المذيع المتألق زاهي وهبي، وكان اللقاء مع الشاب الخلوق المهذب والداعية الاسلامي المتجدد الأستاذ عمرو خالد. جاء اللقاء رائعاً، والحديث شيقاً، وكانت سهرة لطيفة على الهواء مباشرة أمتعت عدداً من المشاهدين كانوا في انتظارها. وأبدع مقدم البرنامج في حواره، والضيف كعادته كان في غاية البساطة والصراحة. تناول اللقاء مواضيع كثيرة عن شخص الضيف وأسلوبه الممتع والجميل في طرح المواضيع الدينية، وسبب تأثر الشباب من الجنسين بدروسه ومحاضراته التي تستقطب الآلاف، ومهما اختلفنا أو اتفقنا مع يطرحه من أفكار والأسلوب الذي يتبعه في ابلاغ رسالته الدينية، ومهما كان رأي بعض المعارضين على انه ظاهرة أو موضة، إلا ان الاستاذ عمرو خالد استطاع أن يقنع الكثيرات ويوجههن إلى ارتداء الحجاب ومن بينهن فنانات بالرغم من انه لا ينسب ذلك إلى نفسه. كما استطاع أن يصلح كثيراً من الشباب ويصحح لهم مفاهيم ديننا الاسلامي التي كانوا يجهلونها. وخلال اللقاء لم تتوقف الاتصالات من كل مكان، والكل يثني على آرائه ويبدي اعجابه بأفكاره وأسلوبه المبسّط، ورغم كل التقدير والإعجاب، إلا انه كان يزداد تواضعاً. وتطرق المذيع الى قصة ايقاف دروسه وتركه بلده مصر والشائعات التي دارت حول الموضوع، كان رده انها لا أساس لها من الصحة، وانه ترك مصر بمحض ارادته لكي يتفرّغ للدراسة والحصول على الدكتوراه في بريطانيا، وهدفه بالاضافة الى ذلك توجيه رسالته الدينية إلى الغرب ومخاطبتهم بلغتهم، عسى أن ينجح كما نجح في مصر والدول العربية. وكان حديثه حديث شخص محب لوطنه، مع ان المحاور حاول معرفة الأسباب الحقيقية وراء تركه مصر والتي تناولتها كل الجرائد والمجلات مؤخراً، وكانت محط اهتمام كل من يتابعه، إلا انه أنكر تماماً أخبار ابعاده، كما أنكر معرفته بكل ما قيل حول ذلك، إذ سبق وتوقفت دروسه لفترات، لكنه كان يعاود تقديمها بعد ذلك، وأكد انه باستطاعته الرجوع الى وطنه متى شاء، لكنه حالياً يريد التركيز على رسالة الدكتوراه وعلى السعي إلى ايصال رسالته الدينية إلى الغرب. وعندما سأله مقدم البرنامج عن صحة ما كتب ونشر عن سبب ابعاده، أجاب الرجل بهدوء وتسامح كعادته وقال: انه يشكر ويسامح كل من انتقده أو هاجمه، وآثر عدم اطالة الموضوع لكي لا يشتت ذهن المشاهد. بعد فترة من الحوار الشيّق ورد اتصال إلى البرنامج من شخص يبدو عليه التوتر والعصبية حتى في سلامه، وكأن ثأراً بينه وبين عمرو خالد.. نعم ثأر بينهما! وادعى انه لا يعرفه ولم يسمع به من قبل!وعمرو خالد بأدبه واحترامه المعهود لم يواجهه وتركه يتحدث كما يشاء. لكن هل معقول ان هناك مواطناً عربياً لم يسمع عن عمرو خالد، ولو من باب اعتباره موضة كما قال عنه؟ وما أكثر محبي الموضة! كم كنت أتمنى من مقدم البرنامج، وحتماً أغلب المشاهدين، عدم السماح بمثل هذه المكالمات التي تتعرض للضيف وتجعله عرضة للتجريح، وهناك بعض المتصلين يتناسون انهم على الهواء أو يقصدون ذلك مع انهم يدعون المعرفة التي لا تتعدى حدودهم، ويفتقدون الى أخلاقيات المشاركة والحوار، وهم بذلك يفوّتون على المشاهد فرصة الاستمتاع ببرنامج جاد وهادف وسط هذا الزخم الكبير في التدني. فما أحوج هذا الجيل الى أمثال الأستاذ عمرو خالد الذي من المفروض ان رسالته انطلقت من بلد له مكانة خاصة عند المسلمين قبل كل شيء، بلد الأزهر الشريف قلعة ومنارة الاسلام. إن شخصية عمرو خالد تتسم بالمعرفة والوضوح والاتزان وتستحق الاحترام مهما اختلفت حوله الآراء، كما ان لديه مؤيدين من أبناء هذا الجيل من الجنسين وحضوراً وقبولاً، حتى من المسيحيين.. وقد يكون هو الأمل المشرق في هذا الزمن الرديء.