الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 حتى ربع قرن تقريبا كانت فرحة العيد في مجتمعات الوطن العربي تشوبها استعادة ذكرى موت أم أو أب أو ابن، فتقوم الاسرة العربية بزيارة المقابر في صباح اليوم الأول للعيد. الآن تستعيد الاسرة العربية مع حلول العيد ذكرى رحيل من نوع آخر: اما شاب مغيب في مرافئ الاغتراب في اوروبا أو اميركا او كندا او استراليا.. واما شاب مغيب في معتقلات السلطة داخل وطنه. وبينما يتاح للأسرة استشعار قدر من الطمأنينة في الحالة الأولى عندما تصل اثناء أيام العيد مكالمة هاتفية من ولدها المغترب.. فان هذا الاطمئنان الموسمي لن يكون متاحا لاسرة المعتقل سياسيا، لأنها لن تستطيع ان تعرف ما اذا كان لا يزال على قيد الحياة. فرحة العيد باهتة في الوطن العربي عموما، لكن غياب عزيز من اعضاء الاسرة ليس السبب الأوحد. في غالبية البلدان العربية ظلت الطبقة الوسطى خلال العقود الزمنية الثلاثة الاخيرة في حالة اضمحلال مستمر.. هذه هي طبقة المهنيين ـ مدرسين واداريين ومهندسين وأطباء عموميين ـ التي اندمجت بالتدريج خلال هذه الفترة في الطبقة «البروليتارية». ولذا فهي الطبقة التي تشكل ظاهرة الاغتراب بالدرجة الاولى. أولوية الهجرة الى الخارج هي الهاجس الأكبر للشاب الجامعي في الوطن العربي في اي تخصص حتى قبل تخرجه. فهو يرى مصير من سبقوه الى التخرج ولم يهاجروا: يرى الاعزب متشردا عاطلا.. ويرى المتزوج صاحب الاطفال عاجزا عن توفير فرص تعليم جيد لابنائه.. او حتى توفير فرص علاج جيد. ويرى من ناحية اخرى ان من اختاروا انتقاد السلطة انتهت حياتهم قبل بلوغ العمر الافتراضي. ما هو اذن المسوغ لفرحة العيد؟ في اغلب البلدان العربية «حالة طوارئ» كان لها بداية منذ امد بعيد لكن ليس لها نهاية. والشعور السائد في كل مكان وكل زمان لمدى دوران الساعة هو الخوف.. الخوف من اللحظة والخوف من المستقبل.. ومع تجرد جهاز الدولة تماما من واجباته الاصلية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورعاية خدمات التعليم والعلاج فان الدولة باتت متفرغة بكل مواردها لمجال واحد فقط: الامن الداخلي. ومع اشتباك السلطة مع منظمات معارضة سرية بصورة يومية على مدار السنة اصبحت غالبية البلدان العربية ساحات معارك ضخمة بلا نهاية. ذات مرة سألت شابا من ذوي القربى تخرج من الجامعة لتوه متفوقا في القانون عن ماذا ينوي ان يعمل. دون تردد وكأنه عقد عزمه على شيء محدد حتى قبل التخرج قال: اريد ان التحق بأحد اجهزة الامن! بالطبع عجبت كيف يقع اختيار دارس القانون على العمل في مجال مهني يعتمد النجاح والتقدم فيه على مدى استعداد الشخص للتضحية بمبدأ سيادة القانون. لكن عجبي زال تماما عندما اقنعني بأن الامتيازات النقدية والعينية المرتقبة لا نظير لها في اجهزة اخرى. وعندما يكون التفوق المهني بمعايير الكسب المادي في بلد ما من حظ اصحاب مهنة القمع السياسي على حساب الاقتصاديين والمهندسين والاطباء: الخ فاعلم ان هذا البلد قد انزلق الى هوة حضارية بلا قرار. وعندما تنعكس هذه الحال على المجتمع العريض بؤسا وشقاء يوميا وضنكا معيشيا بلا نهاية ينال فئات المتعلمين قبل غيرهم فان مواسم الاحتفال ـ بما في ذلك العيد ـ تفقد اسبابها ومغزاها. من هنا كان اغتراب الشباب من المنتمين الى الطبقة الوسطى زرافات ووحدانا الى اوروبا وأميركا وكندا واستراليا. لكن يمر العيد على المغتربين في مرافئ الغربة لا ليجلب فرحة وانما ليوقظ الحنين الى الأسرة الكبيرة والوطن. فحلول العيد على المغترب الذي وطن نفسه على الاقامة في لندن او امستردام او هيوستون او فانكوفر هو تذكار مخيف له بأن جذور انتمائه للوطن الاصلي قد اصابها ارتخاء. ويتعاظم هذا الخوف الدفين عندما يستذكر ان جذور اطفاله انبتت تماما.. فقدوا هويتهم الثقافية العربية.. وربما يكونون بسبيل فقدان اسلامهم. مع ذلك يبقى للعيد رمزه الديني في المجتمعات العربية رغم البؤس المادي السائد. فالعيد الصغير يتوج نهاية شهر الصوم كموسم للاستغفار والتسامي الروحي. والعيد الكبير يأتي كامتداد للحج والوقوف بعرفة استرجاعا لوقفة محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقد اكتملت الرسالة. ولذا فان عيد الاضحى يبقى مناسبة متجددة للمسلم اينما يكون وفي اي حال يكون ليجدد العهد لربه بأن محمدا عليه افضل الصلاة والسلام يبقى قدوته في الصبر والمصابرة والمحبة والجهاد الى يوم الدين. .. وكل عام وانتم بخير