الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 اولئك الذين يظنون، بين العرب او في العالم الخارجي، ان قرار الحرب على العراق يمكن ان يكون موضع اعادة نظر في واشنطن، سواء الآن حيث ترتفع اصوات تدعو لاعطاء المفتشين الدوليين مهلة اضافية او بعد اسابيع عندما يفترض ان يقدم المفتشون تقريرهم الثاني حول نتيجة عملهم، يجب ان يكونوا فقدوا ذاكرتهم ليخطر في بالهم مثل هذا الشيء. او انهم ربما يراهنون على حدوث معجزة اميركية في وقت انتهى فيه زمن المعجزات، فضلا عن ان قلائل من الاميركيين ـ في ما عدا الذين يتوقعون من المسيحيين الصهاينة عودة المسيح بين ليلة وضحاها ـ يؤمنون بها. فليس بعيدا في الزمن، وبالتالي على الذاكرة، ان الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش اعلن حربه على العراق تحت نظريتين اضطر للتراجع عنهما شكلا وان احتفظ بهما في جعبته وضمن خطته في الاساس. هاتان النظريتان، هما ان لا حاجة لقرار جديد من الكونغرس الاميركي يوافق فيه على شن الحرب، انطلاقا من انه سبق للكونغرس ان فوض الرئيسين السابقين، جورج بوش الاب وبيل كلينتون، بمثل هذا العمل في الماضي، وان لا حاجة كذلك لقرار جديد من مجلس الامن الدولي باستخدام القوة لازالة اسلحة الدمار الشامل في العراق بذريعة ان قرارات المجلس تتمتع باستمرارية ضمنية وان لم تنص عليها صراحة. لا تعني المقولتان، بغض النظر عن مدى صمودهما امام النقاش القانوني، الا ان قرار غزو العراق متخذ فعلا ومنذ وقت طويل في واشنطن، والا ان محاولة قوننة القرار، اي اضفاء الصفة القانونية اميركيا والدولية في الامم المتحدة عليه، كانت تجري وما تزال للآن.. قبل ان تتراجع الادارة عنهما وتتقدم على مضض بطلب استصدار قرار آخر من الكونغرس اولا ثم من مجلس الامن الدولي تاليا حولهما، ثم بعد صدور القرارين الجديدين. انها اذا الحرب المفروضة، ليس على العراق فقط وانما على العالم كله ايضا فضلا عن المؤسسات الدولية بما فيها الامم المتحدة اساسا. وليس بعيدا كذلك ان واشنطن، عبر مندوبها الى الامم المتحدة جون نغروبونتي ثم عبر وزير خارجيتها كولن باول، حاولت طيلة اسبوعين من المناقشات في مجلس الامن عقد صفقات سرية مع الدول الدائمة العضوية في المجلس لتمرير قرار يكون في صالحها بشكل كامل، وانها قبلت في النهاية بقرار «حمال أوجه» - كما يقال في العامية ـ عمدت بعده ومن لحظة صدوره الى تفسيره على هواها وبما يخدم هدفها. والواقع انه للآن، وبعد ان قدم رئيسا «انموفيك» والمنظمة الدولية للطاقة الذرية تقريرين ملتبسين حول محصلة شهرين من عمل لجان التفتيش، ما تزال واشنطن تجادل اعضاء مجلس الامن حول ما اذا كانت العودة الى المجلس لتقرير الخطوة التالية ضرورية ام لا. أوجه الحرب قرار الغزو اذا متخذ من قبل ادارة بوش الابن، وهو نهائي كما تقول الادارة وشواهد عديدة اخرى. ما يحاوله بوش الآن هو السعي لايجاد التغطية اللازمة للحرب، ان في الولايات المتحدة حيث الحاجة ملحة لاقناع الشعب بتحمل المخاطرة وبالتالي الخسائر، او في العالم حيث الحاجة ملحة بدورها لاشراكه، او بعضه على الاقل، في تحمل مسئولية العمليات العسكرية ثم في تحمل تكاليف التمويل التي تقدر باكثر من مائتي بليون دولار. لعل افضل تعبير عن هذا الواقع هو الذي استخدمه وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف عندما قال قبل ايام قليلة ان القرار الاميركي بشن الحرب متخذ فعلا منذ اسابيع عديدة، وانه بالتالي لا معنى اذا لعمليات التفتيش من اساسها. لكن الافضل من ذلك ان بوش نفسه لا ينكر هذه الحقيقة، وان كان يضعها في سياق مختلف. فقد قال في خطابه الاخير عن «حال الاتحاد»، وبوضوح بالغ، ان نزع اسلحة العراق لا بد ان يتم «طوعا من النظام العراقي او بالاكراه، وبقرار من مجلس الامن الدولي او من دونه». ان جانبا من الحرب الاميركية هذه يتعلق بالعراق، نظام حكم وقوات مسلحة وثروات طبيعية، بينما الجانب الآخر يتعلق بالعرب عامة وبالمنطقة التي يطلق عليها الغرب اسم «الشرق الاوسط». كذلك فجانب من هذه الحرب يتعلق بالنظام الدولي الذي تتصوره الولايات المتحدة، وهي على القمة منه «امبراطورية عظمى وحيدة»، بينما الجانب الآخر يتعلق بالامم المتحدة كمنظمة لرعاية العلاقات الدولية وشئون الحرب والسلام في العالم بعد ان انتهت الحرب العالمية الثانية الى ما انتهت اليه: انتصار «حلفاء» متعددين، وليس انتصار طرف واحد في الحرب على المانيا. في الجانب الاول، تريد واشنطن أن تفرض سيطرتها المباشرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا على كامل المنطقة العربية انطلاقا من العراق، لاستكمال «قوس الطاقة» الممتد من روسيا الى بحر قزوين الى العراق وايران والخليج العربي، ولضرب اية حركة رفض او مقاومة على امتداد المنطقة تحت شعار «محاربة الارهاب». وهذا، على المستوى المادي الصرف، هو التجسيد العملي للهيمنة الوحيدة الجانب على مصدر الطاقة في العالم وبالتالي على اقتصادياته. اما على المستوى السياسي، فهو يعني اطلاق اليد للصهيونية العالمية لبناء «اسرائيل الكبرى».. السياسية على الاقل، ان لم تكن تلك الجغرافية التي حددتها مقولة «من النيل الى الفرات، ارضك يا اسرائيل». في الجانب الثاني، تريد واشنطن ان تطوي صفحة اتفاقات يالطا التي عاشت بهذا الشكل او ذاك لاكثر من نصف قرن من الزمن حتى الآن، وفي مقدمتها صفحة منظمة الامم المتحدة الراعية للعلاقات الدولية بعد ان بات النصر، من وجهة نظر الولايات المتحدة، نصرا وحيد الجانب، بسقوط القطب الآخر (الاتحاد السوفييتي) واعتراف الاقطاب الثلاثة الاخرى (بريطانيا وفرنسا والصين) بوحدانية الدولة العظمى الاميركية. وهذا، على المستوى السياسي، هو التفسير العملي للنظرية الاكاديمية التي طلع بها فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ». اما على المستوى العملي، فهو الوجه الآخر للنظام الدولي الذي سيحكم عالم القرن الحادي والعشرين تحت علم «امبراطورية الكون» الاميركية التي لا تقهر. لا بد من التذكير بأن هذا التوجه الاميركي نحو الامم المتحدة ليس جديدا بالمطلق، ولا هو يتصل باحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 كما يقول البعض. لقد بدأ عندما امتنعت واشنطن عن تسديد حصتها في موازنة المنظمة الدولية لسنوات عديدة، ثم تصاعد بانسحابها من الاونيسكو، وبلغ ذروته في الفترة الاخيرة عندما رفضت الانضمام الى محكمة الجزاء الدولية. لكن السؤال يبقى: اي نظام دولي سيكون ذلك الذي تحكمه، وتتحكم به، قوة واحدة من دون ان تحكمها اية ضوابط لاية شرعة دولية؟! واية امم متحدة ستكون تلك التي تبقى بعد ان تشن الولايات المتحدة حربها على دولة من دولها من دون قرار، او خلافا لقرار، يصدر عنها؟!. لا نقول جديدا اذا قلنا ان هذه الاستراتيجية الاميركية باتت موضع ادراك عام ليس في الولايات المتحدة فقط وانما في العالم ايضا. عبرت عن ذلك بوضوح جماهير الشعب الاميركي التي تظاهرت بمئات الآلاف قبل اسابيع وهي ترفع لافتات «لا للحرب من اجل النفط»، كما قالته فرنسا والمانيا وروسيا والصين بوضوح كذلك عندما اعلنت معارضتها للحرب من خارج الشرعية الدولية ممثلة بالمنظمة الدولية وبمجلس الامن فيها. من هنا، كما يبدو، كان حديث بوش قبل ايام عن «اسابيع، لا شهور، للدبلوماسية» قبل ان يتم تحديد ساعة الصفر لبدء العمليات العسكرية. وكان ايضا حديث نائب وزير الخارجية ريتشارد ارميتاج عن موافقة 23 دولة على تمركز كلي او جزئي للقوات الاميركية على اراضيها و22 دولة اخرى على تحليق الطائرات المقاتلة في اجوائها و9 دول على اشراك قوات من لدنها في هذه العمليات. هل ما سبق يشكل رضوخا للمعارضة المتنامية، من قبل الشعب الاميركي والاسرة الدولية والرأي العام فيها، للحرب على العراق؟!. اغلب الظن ان الامر ليس كذلك، اضافة الى ان شواهد سياسية ومادية عديدة تطل برأسها للتدليل عليه. نفق مزدوج يأتي في المقدمة ان الرئيس الاميركي وضع نفسه على مدى الشهور الماضية، عامدا او جاهلا لا فرق في ذلك، في نفق بات صعبا عليه ان لم يكن مستحيلا الانسحاب منه. فعودة القوات البرية والجوية ومنصات اطلاق الصواريخ وحاملات الطائرات التي حشدت في المنطقة وحولها الى قواعدها من دون اية عمليات قتالية باتت اشبه بهزيمة سياسية كبيرة للادارة وبهزيمة عسكرية لا تقل عنها للآلة الحربية ولجنودها وضباطها بصورة شخصية. كذلك هو بقاء نظام الحكم العراقي، بأسلحة الدمار الشامل التي قد يكون يملكها او حتى من دون هذه الاسلحة، وبتقرير من لجان التفتيش يؤكد الاتهامات الاميركية حول امتلاكه هذه الاسلحة او ينفيه، وبقرار من مجلس الامن الدولي لا يجيز استخدام القوة او يمنعها او يطلب مهلة اخرى للمفتشين الدوليين من اجل استكمال عملهم. كذلك هو اذعان «القوة العظمى الوحيدة في العالم» لدول في «اوروبا القديمة»، حسب تعبير وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد ردا على الموقفين الفرنسي والالماني، لمجرد انها وقفت بقوة وصلابة في وجه الحرب على العراق بما تهدف اليه هذه الحرب من فرض هيمنة واشنطن، السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفطية، على المنطقة كخطوة على طريق مدها بعد ذلك لتشمل العالم كله. هذا النفق الذي حشر بوش نفسه فيه ادى عمليا الى زيادة ضيق النفق الذي حشر الرئيس العراقي صدام حسين نفسه منذ البداية، فبات بدوره غير قادر (فضلا عن انه غير راغب اصلا) على التراجع او الانسحاب. فلا علاقة له مع تنظيم «القاعدة» او الارهاب الدولي، يقول، في الوقت الذي عجزت فيه ادارة بوش عن تقديم دليل واحد على وجود مثل هذه العلاقة. ولا اسلحة محظورة دوليا لديه، يقول ايضا، بينما لم تقدم واشنطن للآن ما يوفر للمفتشين دليلا ماديا يساعدهم على اخراج تقريرهم ـ السابق او ربما حتى اللاحق ـ من دائرة الالتباس. وبلاده تتعرض لعدوان، او تهديد بالعدوان، من الخارج، يقول كذلك، بما يتنافى مع مبادئ الامم المتحدة والشرعية الدولية واحترام سيادة الدول واستقلالها (بغض النظر عن طبيعة انظمة الحكم فيها)، بينما تقف واشنطن عاجزة عن استصدار قرار دولي يضفي على عدوانها اية صفة شرعية في القانون الدولي. وهما معا، نفق بوش من جهة ونفق صدام من جهة ثانية، نفق الحرب المدمرة التي لم يعد مفر منها كما يبدو ان لم يكن بعد «اسابيع الدبلوماسية»، وفق تعبير بوش الاخير، فبعد اقامة ما يسميه بوش نفسه ب «التحالف الدولي» لشن هذه الحرب سواء من داخل شرعية مجلس الامن او من خارجها. «اسابيع، لا شهور، للدبلوماسية»، تستكمل فيها واشنطن عدتها للحرب من ناحية، كما تحاول فيها ان تسد الثغرات التي برزت مؤخرا في تغطية هذه الحرب داخليا ودوليا ؟!. لا فرق كبيرا في ذلك. لكن من شبه المؤكد ان اسابيع بوش «الدبلوماسية» هذه سيملأها اولا وقبل كل شيء في داخل العراق وليس خارجه، ربما تشجيعا للبعض على التمرد، او لتنظيم انقلاب عسكري، او لاغتيال صدام بصفة شخصية، او ربما لما قد لا يخطر في بال احد. لقد امكن لواشنطن في الشهور الماضية، تقول مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في آخر تقرير لها، «تحقيق هدفها في منع اي هجوم عراقي على الولايات المتحدة او على جيران العراق». وهكذا فالوضع الراهن يعتبر اكثر امنا للشعب الاميركي من اي وقت سابق، تضيف «لأن صدام حسين محاصر عمليا وهو تحت مراقبة قوة تستطيع ان ترد فورا وبشكل تدميري واسع على اي عدوان». واذا فلماذا الحرب، يسأل نيكولاس كريستوف في «النيويورك تايمز»، اذا كان في استطاعة الولايات المتحدة ان تحقق اهدافها من دون المخاطرة بعملية عسكرية لا بد ان تلحق خسائر في القوات التي تنفذها؟! ـ كاتب لبناني